تلك النظرية الحمقاء، التي ترى أن إشغال الشعوب بلقمة العيش هي خير وسيلة  تحول بينهم وبين الالتفات إلى ما يجري حولهم من فساد وإفساد،  تلك النظرية التي حيكت خيوطها لكي تحول الإنسان العربي المسلم إلى لاهث خلف ضروريات تسد الرمق، فتعمي بصره عن  احتياجات الوطن، وتصم آذانه عن استغاثاته، وتجعله لا يأبه بما وصل إليه من تخلف… 

كما تجعله يخرس نداءات حقه البشري في عيش كريم، ويكبت طموحه الإنساني في قيادة ممكنة للعالم، ويكبح  جماح تطلعاته في أن يحمل راية العلوم والمعرفة والتطور في مختلف المجالات….تلك النظرية الفاسدة تحترق اليوم على جسد “محمد البوعزيزي” التونسي الشريف صاحب عربة الخضار.. اليوم ، يجدر بمن  تبنى تلك النظرية أو آمن بجدواها، أو طبقها عقوداً طويلة من الزمان أن يبحث لها عن بديل… بديل آخر ومنهجية أخرى تحافظ على خط الانحدار الذي تسير عليه الأمة، وتواصل الزج بها في ظلمات الجهل، وتستمر في تعريتها من قيمها وأخلاقها، وتجريدها من عقيدتها… 

فسياسة “الإفقار والتجويع”، الرامية إلى قمع التطلعات قد انتهت صلاحيتها، كالكثير من السياسات التي عاشت وأثمرت في زمن، ثم جاء عليها زمن آخر ماتت فيه واندثرت…وذاك من سنن الله في هذا الكون! ولكن كيف سقطت تلك النظرية؟ سقطت لأن حاكماً مستبداً طبقها بغباء طاغ، وبطغيان غبي، فلم يجد سبباً يدعوه لإجراء قياسات دقيقة للمستوى الذي وصل إليه مخطط الفقر والتجويع، والمستوى الذي وصل إليه اليأس، والمستوى الذي وصل إليه القنوط وبشاعة الحياة في عيون شباب يحيا محملاً بإرث حضاري عظيم كريم يصعب- أو يستحيل- تجاهله أو نسيانه أو طي صفحته. 

 وعدم القياس الدقيق لآثار نظرية “الإفقار والتجويع” التي آمن  بها حاكم تونس وطبقها بامتياز، كان خطأ فادحاً، إذ لم يكن من الحكمة إيصال الأمور إلى الدرجة التي تتساوى فيها الحياة بالموت لدى الشباب، ولم يكن من الذكاء الضغط إلى الدرجة التي لا يجد الفرد معها جدوى من حياته وبقائه، ولم يكن من الفطنة استدراجهم إلى مرحلة “اللاأمل”.. هنا مرحلة حاسمة، ومفرق فاصل إذا ما وصل إليها بنو البشر صار لزاماً عليهم أن يتصرفوا !!ولربما جاء تصرفهم بطريقة لا تروق كثيرا لأصحاب النظرية، ولا لمن يقوم بحمايتها… وقضية الأمل قضية لها وزنها، فهي ليست مجرد كلمة يحلو استخدامها في النصوص الأدبية أو الرومانسية، الأمل حالة إنسانية داخلة في صميم تركيبتنا، ممتزجة بفعالياتنا، ملتصقة بأحلامنا الجميلة التي ما نهدأ نتطلع إلى تحقيقها… 

فنحن نصبر على الفساد ونتعب، على أمل أن يتم إصلاحه… ونصبر على الاستبداد ونحاول، على أمل أن يتم استئصاله…ونصبر على الظلم ونبذل، على أمل أن يتحول إلى عدل…ونصبر على الفقر ونكدّ، على أمل أن تنفرج الأمور بعد حين، ولكننا حين نصل إلى مرحلة نكدح فيها ونكدح ثم نكدح لنجد أن أمورنا تزداد سوءاً بسبب منهجية شريرة تراهن على غرس اليأس فينا، حينها نتصرف بدون أن نجري حسابات دقيقة، وبدون أن نكترث بما يمكن أن يسميه البعض تهوراً أو مغامرة، أو جنوناً… لنتأمل لحظة في التالي: حين فقد البطل “البوزيدي” الأمل في صلاح النظام، فقد الأمل في جدوى حياته، ففضل الفناء محترقاً على حياة يحترق فيها  بعدد ساعاتها…وعلى الضفة الأخرى، عندما فقد النظام التونسي الأمل في جبر الكسر الذي أحدثه، اختار التضحية بحياة تربعت على جبل من طغيان واستبداد وثروة ورغد ورفاه وغادر!!!ولذلك قلت أنه لم يكن من الذكاء لمتجبر يريد البقاء على عرش تجبره، أن يوصل الأمور إلى هذه الدرجة من اليأس، كان لابد من بعض التكرم بالإبقاء على بريق أمل، أو بصيص أمل يركن إليه الشعب المقهور، حتى وإن كان بريقا بعيداً، أو بصيصا خافتاً.!فقدان أمل الشعب في الحاكم التونسي، كان من نتائجه أن أفقد هذا الحاكم الأمل في البقاء على سدة عرشه… 

إنها لعبة الأمل، التي لم يحسن المستبد حسابها وقياسها، فأودت به..وهي نفس اللعبة التي أودت بنظرية ” التجويع والإفقار” لشعوب مازال قلبها ينبض، وسيظل ينبض بحب الحياة الكريمة، وعشق الحرية، والعدالة، ورفعة الإنسان.                                                                                  ابتهال قدور