إنَّ ما يحدث أمامنا الآن هو بعض مما كنا نعتقد أنه سيظل نقشا للتاريخ على صفحات الكتب العتيقة..

أو أنه لن يتجاوز ما حكاه لنا الأجداد والآباء بينما نحن جلوس حول الموقد، ننصت ثم تبرق أعيننا عجباً ودهشة وأملاً..

مايحدث الآن هو ما كنا نعتقد أنه سيظل من نصيب القصص القرآني، الذي نقدسه ونجله ونؤمن به، لكننا ننظر إليه بعين من ينظر إلى المعجزات التي اقتصر حدوثها على فترة معينة من الزمن لن تتخطاها..

و من قال أن المعجزات قد توقفت ؟ إن ما يحدث اليوم يؤكد أن ما تغير هو النوع، وما تبدل هو الشكل، أما المعجزات من حيث كونها أمور كبيرة تقتحم المعتاد فهي مازالت باقية تتكرر!

وما تجدد الدين على رأس كل قرن إلا استمرار لوجودها، فليس من السهل أن يقنعني أحد بأن تجدد الدين سيأتي بطريقة سلسة هادئة، لا تحدث ضجة ولا تعلى صوتا..إنما هو مسار عظيم من الأفعال غير العادية، التي ستحدث زلزالا حتميا، يعمل على اقتلاع واقع واستبداله بواقع آخر جديد، وكما كان بعث الأنبياء حدثا مدويا، كان تجدد الدين حدثا لا يقل دوياً، فهو حدث يحمل روح البعث، وإن كان من غير نبي.

 

و يأبى الله جل وعلا، أن يمر قرننا بدون أن يتجدد، بدون أن تبُعَث فيه روح النبوة، لكي نتذكر بأن الإنسان هو صانع مستقبله…”فالمستقبل هو ما نصنعه لا ما نجده أمامنا من ايام” حسب تعبير المرحوم روجيه جارودي…

يأبى الله إلاّ أن يلهمنا الفعل الثوري اليوم،  ليُذكرنا بأن مسيرة الأنبياء متواصلة مستمرة، بكل ما فيها…بنضالها و بتضحياتها، بعنائها و بمشقتها، بألمها و بدمعها، بِكَرِّها وفَرِّها، ولكي يؤكد لنا أن مارافق الرسالات آن نزولها هو نفسه ماسيرافقها حين تجددها…

لكنه ايضا يريد بهذه الثورات أن يرسخ لدينا ولدى الجيل الذي يشهد التجديد مفهوم الفعل الإنساني كوسيلة للتغيير..فما كان دين إنساني خاتم ليخلو من توجيه نحو الفعل، ولا كان ليستهين بالعمل الإنساني العظيم الناتج عن مخلوق عظيم…وما كان الله بكرمه ليغفل عن تضحية يقوم بها بشر لتعديل المسار المعوج للبشرية، ولا كان سبحانه ليسفه إنجازات تهدف إلى إقرار العدل الذي هو روح الدين ونبضه وغايته…

أمام هذا الفعل الانساني الذي حرك المياه الراكدة والأفكار العفنة، والواقع المؤلم نتساءل بدهشة: أ كُلُّ المعجزات التي استبعدنا حدوثها كانت قابعة تنتظر تحركاتنا، وثوراتنا، وفعلنا الرافض !؟

والجواب أن نعم…فالفعل الانساني  بكل مساراته هو ماجعلنا اليوم نستحضر النبي يوسف السجين، الذي خرج  ليصبح الآمر الناهي في القصر الكبير…تلك كانت قصة الأيام التي يداولها الله بين الناس…لكننا نراها اليوم في مصر رأي العين!!

والفعل الانساني هو ماجعلنا نشهد فصول سقوط  الفرعون الذي سفك الدماء وطغى وتجبر وتأله…ثم بعثت الثورة من قصره..فسقط وزال ملكه، ثم غرق ومات كما يموت البشر…ليعلو من ثم شأن صاحب الكلمة الحق…تلك كانت رواية الطغيان، لكنها لم تكن لعصرها فقط، بل ندرك الآن أنها جاءت لكل العصور بما فيها عصرنا هذا…

كل الطغاة يمارسون ذات الأساليب، وكلهم يستخفون بحقوق البشر، ويستهينون بالأرواح، ويهزؤن بالمعاناة الإنسانية، كلهم يرون في أنفسهم مركزا للكون، وعلى كل من عداهم أن يدور في فلكهم…

علينا اليوم أن نقارن بين هؤلاء الفراعنة وذاك الفرعون لكي يستلهم الناس الأمل من حراكهم، كم تراه قتل من الولدان، وكم ذبح منهم، وكم أم ماتت قهرا على قطع من قلبها ذبحوا أمامها، وكم من الآلام سادت تلك البيئة التي أنتنها بكبره…كم كان حجم الخوف، والرعب، الذي عانى منه الناس آنذاك…كم كان مقدار الدموع، لقد كانوا بشرا مثلنا آلمهم ما يؤلمنا…ومن بين هذه المعاناة ولد الأمل وجاء الفتح وكان الناس يعتقدون أن لن يجيء…

فالتجديد، وبعث روح النبوة، من خلال العمل الانساني الهادف، لا يؤتي ثماره بدون ألم، بدون تضحيات، بدون دموع…خاصة إذا كان هذا قد حدث بعد عقود من الصمت الذليل الذي مكّن للطاغية وثبت من جذوره…    

كم كنا نراه بعيدا أن يخرج الناس، مُفرِّطين في أمانهم، هذا الأمان الزائف الذي طالما صنع لهم قضباناً حبستهم عن الكرامة والحرية، وحبستهم عن حقوقهم وثرواتهم، ومنعتهم من إطلاق العنان لفكرهم وتفكيرهم…  

لكن المدخلات حين تغيرت أذنت بِتَغَيُّر المخرجات…لا السنن الإلهية تغيرت، ولا القوانين الحاكمة للكون تبدلت، إنما هو وعينا الذي تغير، أو لعله إلى حين قيام الثورات لم يكن هذا الوعي قد تغير، وبغير قصد أو تخطيط أعيد اكتشاف المعادلات الكونية التي تحكم الحراك الإنساني على امتداده..

اليوم ومع الحراك الثوري،  يصبح بإمكاننا أن نقول لأبنائنا: “انظروا مايحدث وقارنوه بما حدث في التاريخ…مسيرة الأنبياء لم تنته إنها هي ذاتها، إنها هي نفسها..” فهذا خير وأقوى من قولنا لهم : “اقرؤوا التاريخ وخذوا العبرة”.

 

ابتهال قدور