إنَّ من سوء أدب العبد مع خالقه أن يَرُدَّ عطاياه وهباته…ومن هذه الهبات الإلهية وهذه العطايا، الحرية والكرامة…

ولِرَدِّ الهبة الإلهية ورفض العطاء الإلهي وجوه عديدة، من ذلك إهمالها، وتجاهلها و تجاوزها، وعدم الإيمان بجدواها، ومن ذلك التفريط فيها جهلاً أو عمداً..سواء كان سبب هذا التفريط  رهبة من طغيان، أو طمعاً في مصلحة…

وتشير مسارات التاريخ وسنن الكون إلى أن من يَرُدّ هذه الهبات التي يجب أن تكون لصيقة بالإنسان وملازمة له كالهواء والماء، سينال العقوبة الإلهية…

هل ما ذكرت هنا قابل – و لو مرحلياً - ليكون نواة لفكرة إن انطلقنا منها في تأسيس أجيالنا و توسعنا فيها وتفرعنا و أوجدنا لها صيغاً و أساليب و روافد استطعنا أن نصنع أجيالاً تكون على الدوام حرة كريمة فاعلة، مطابقة لصورة الإنسان بشكله العظيم القريب من روح الله؟؟

وهل تمتلك هذه الثورة من الأفكار مايمكننا جمعه، و تجميع أبناء الوطن والأمة حوله؟

 

لماذا هذين السؤالين، لأن الثورة السورية العظيمة قد كشفت لنا من بين ما كشفت أن الأمّة التي لا تجتمع على فكرة موحَّدة لن تستطيع أن تحقق مجدها بين الأمم…

كل الأمم التي حققت انتصارات جمعتها فكرة…

وتاريخ الانتصارات مع الأسف يمتليء بالأفكار التي منها ماهو خاطئ،  ومنها ماهو مزيف، وقد تكون الفكرة الجامعة خرافة مختلقة…لكن ما يضعه قادة تلك الفكرة من خطط و مناهج تسويقية…تجعل حلمهم قابلاً للتحقق…

فما بالنا نحن لم نستطع بعلمائنا وشيوخنا ومفكرينا ومثقفينا ومصلحينا أن نجمع هذه الأمة على فكرة…على الرغم مما نملكه من مرجعيات حق وحقيقة، و وسطية وعقلانية و ابتعاد عن الخرافة، ما بالنا لم نقدر على أن نحشد الطاقات لتحقيق الأهداف على الرغم من كل مانمتلك في تاريخنا من مناسبات وأيام تصلح لكي تُشِّع تحريضاً نحو هدف حضاري مرسوم !؟

 وتسوقنا هذه التساؤلات إلى السؤال الكبير الذي طالما تحاشينا الخوض فيه بجدية، لماذا نجح غيرنا وفشلنا نحن؟

ندرك أن هناك خللاً، ولكي نتدارك هذا الخلل فإن المسيرة طويلة، لكنني أجد أن الثورة الآن بكل زخمها الفكري والإنساني هي فرصة يجب علينا استثمارها  لكي نشكل منها ومن تفاصيلها فكرة جامعة للأمة..وأجد أنه سيكون من العار علينا أن ندع هذه الملحمة الأسطورية تمر علينا مرور الكرام…

عار علينا أن نتركها تمُرُّ تماما كما مرت مجازر رهيبة من قبل، فلا نخصص لها يوماً للحزن والترحم، ولا نتخذ منها أيقونة للظلم…ولا نُفعِّلها كدافع قوي لإعادة بناء الحضارة و دخول عصرها…

إنّ الأمم الذكية تبدع في استثمار أيامها وأحزانها، و تعمد في أحيان كثيرة للتزييف، ولسرقة تراث الغير، واختلاق أيام للناس يشحذون فيه هممهم، ويوجهونهم نحو الهدف…

و لاتخفى علينا أمم جيَّشت الشعوب من منطلق فكرة لربما كانت غيرعقلانية ولا حقيقية فاستعاروا لها من المبررات والأدلة ماجعل لها بريقا كافيا يؤهلها لأن تكون منارة يهتدون بها وقضية يناضلون لأجلها

غريب أن يكون هناك إصرار من بعض الفئات على تسفيه كل مايشكل مناسبة جامعة للأمة، بعضهم سفّهها وألقى عليها وصمة الأصولية، لكن، حتى أولئك الذين سفّهوا اهتماماتنا بكل المناسبات التي تشكل امتدادنا الحضاري، بدعوى “البدعة” ساهموا بشكل أو بآخر في تغريب الأجيال، وفي سلخها عن تراثها الديني والحضاري، وفي تجريدها ممّا يُشكل محطات إشعاع وانبثاق...

آن لهذا الأمر أن يتوقف، آن لهذه الأمة أن يكون لها أيام حزن تعيد خلالها ترتيب أوراقها وتسترجع تاريخها وتعرف عدوّها من صديقها، وتعيد فيها شحن العقول والقلوب، ويكون لها هدف وخطة ووسيلة…

آن لهذه الأمة أن تتعلم من هذه الثورة الملحمية أن أمة بلا أيام تقف فيها خاشعة ضارعة هي أمة لاتحترم ماضيها ولا تحترم دماء أبنائها، وهي بالضرورة لا تتطلع لمستقبل مضيء تنعم فيه بهبات الخالق العظيم لأعظم مخلوقاته…