عاد من مدرسته ليرى بيته بقايا ذكريات احتوت طفولته، كان بيتاً حتى ما قبل اللحظة فعاد ركاماً من الحجارة المُحَمَّلة بهدأة ليله و شقاوة نهاره، ضاعت منه أصوات خطواته، ضاع منه صداها الذي كان يتردد داخل الدار، ماعاد لديه باب غرفة يغلقه على عقله الصغير، ماعاد لديه مفتاح، ماعاد يتسلى بفتح شباك يطل على شجيرات زيتون عريقة الجذور… ماعاد عقله قادراً على تأمل جذوع تلك الأشجار الوفيّة !!!

نظر في عيني أمه، في عمق تلك العينين، بحدّة أفزعتها، سأل بغضب رجل مكتمل الرجولة : ماذا حدث يا أمي؟! أين البيت؟

 

أشارت الأم إلى مجموعة من شرطة الاحتلال الصهيوني، يتضاحكون بتشفي، و نذالة، أشاح بوجهه عنهم للحظات، أدار رأسه إلى الناحية الأخرى، وقعت عينه على والده وهو يدخل إلى الدار و يخرج منها بكل السرعة والحرص..

يسابق الأب آلة الهدم لعله يستطيع إنقاذ بعض الأغطية يلف بها أجساد أطفاله…بعض المقتنيات التي كان يخبؤها لوقت الحاجة، بعض الوثائق الهامة، وآلة الهدم بلا رويّة تهدم، والعامل عليها جالس بنظارته الشمسية السوداء يجرف بالسرعة القصوى، نظراته اللئيمة الحاقدة تفسرها حركاته على مقود الجرافة، وإن كانت تخفيها تلك النظارة، حركات هستيرية بذراعين خلقتا للشر والأذى، خلقتا لكي تكونا وقود نار مستعرة…أفهموه أن هؤلاء وإن كانوا بصورة بشر، إلاّ أنهم ليسوا بشراً مثله، يليق بهم أن يتوسدوا الأرصفة، و أحبَّ هو تلك الرواية التي تناسب شيطان نفسه، طَبَّق مقتضايتها بكفاءة عالية…من الروايات ما تروق لنزعة الفجور لدينا، قد لا نصدقها ولكننا نركب موجتها إرضاءاً لذلك الفجور، ويحه لو علمَ أن شيطانه سينقلب عليه يوماً، سيتركه وحيداً لمصير جهنمي…

الطفل لم يعد يرى من الحياة إلّا هذا الحطام الذي يحمل برعم تاريخه القصير…صرخ بوجع القضية الممتدة لنصف قرن من الزمان، بلغ صراخه الآفاق…من أنتم؟ قال بأعلى صوته، وبأعلى وتيرة من قلبه، من أنتم؟ ماذا تريدون، وارتجف جسده الغضّ…واندفع يزمجر في وجوه مكفهرة، هذه فلسطين لنا، أرضنا، من أنتم…؟؟

كان يهمُّ بالهجوم عليهم، بذاك الجسد الصغير الدافيء، لولا يدي أمه الحانيتين تردانه أي بني يكفيني هدم الدار، فلا تفجعني بك، هذه القطعان لا تفقه، لا تدرك، لا تشعر !!

ويعاود التفلت من يدي أمه، ويعاود الصراخ في وجوههم، وهم يتضاحكون كبلهاء سفلة…وترده أخته هذه المرّة: “حبيبي خلص” “خلص حبيبي”…

 

انتهت اللقطات، انتهى التصوير، انتهى الخبر… وعدت يابني خبراً تقادم، ككل الأخبار التي عبرت شاشاتنا وتقادمت…

ليست المعجزة في نقل الخبر، وليس السبق في صياغة الخبر…كل السبق في عينيه، نعم في عينيه قرأت السبق، هناك كان يتخلق مستقبل جديد، مختلف، مُحَمَّل بالعزة والكرامة، مستقبل تغذّى على ظلم المحتل و قهره، و نما على تجاهل أبناء الدين والعروبة، وسيترعرع داخل تعقيدات النفس الإنسانية التواقة إلى الخلود…

دعني أُقبّل عينيك الآن ياطفلي الصغير…لأستمد منك عطر وعنفوان الكرامة، فغداً حين ستحرّرُ أرضك وتستعيد دارك، سأكون أنا قد غادرت هذا العالم…قبلتك تلك ستجعلني أتعرف عليك ياصانع الخلود الآتي والمجد القادم، علّك تضمني بجناحك الذي ستطير به إلى جنات خالدات…