“شيفرة دافنتشي” رواية من تأليف “دان براون” ، حولتها السينما الأمريكية الى فيلم تجاري تم عرضه في بعض دور السينما العربية وألغي عرضه في البعض الآخر .
أثارت الرواية جدلاً واسعاً في الغرب، خاصة في الأوساط المسيحية المحافظة ، إلاّ أن هذا الجدل سرعان ماانتقل الى الساحات العربية التي يدين جزء لابأس به من أهلها بالديانة المسيحية..
ولقد حفز هذا الجدل الدائر الكثيرين، لقراءة الرواية، على الرغم مما تشهده مجتمعاتنا من عزوف نسبي عن القراءة ..
وعلى الرغم من كل ماقيل في الرواية ، لم أجد لديّ الحافز الكافي للانخراط في قراءتها ..إلاّ حين نقل لي أحد معارفي، الذي يدين بالمسيحية ، أن زميلاً مسلماً له قرأها ، ونصحه بأن يقرأها لكي يغير الكثير من أفكاره العقائدية حول الدين المسيحي …
ومع أن هذه الدعوة لم تشجع صديقنا المسيحي على خوض هذه المهمة، بسبب أفكاره الخاصة في ما يتعلق بالقضية، إلا أنها شكلت لديّ ذلك الدافع..!
وكان قد لفت نظري أن معظم من قرأ الرواية خرج منها بانطباع مفاده أنها تطعن في المباديء الأساسية التي تقوم عليها الكنيسة، و تشكك في مصداقية معتقدات، لطالما اعتُبرت مسلمات غير قابلة للجدل لدى المسيحي المتدين .
والحقيقة أنها استنتاجات سليمة ، فهذا ما قامت به الرواية عندما ألغت فكرة أن الأناجيل الموجودة حالياً، هي نفسها التي أنزلت على السيد المسيح عليه السلام، ثم نفت وجود إنجيل سَلِم من عمليات التحريف البشري…
وهو ماقامت به الرواية عندما بينت أن السيد المسيح عليه السلام لم يكن إلهاً أو ابناً للإله، ولكنه كان بشراً كباقي البشر غير أن المصالح الشخصية والسلطوية التي كانت سائدة في فترة من الزمان هي التي ألّهته، لكي يصبح للكنيسة صلاحية تخليص المذنبين من ذنوبهم، وصلاحية منحهم تأشيرة الدخول الى الجنة أو الغضب عليهم والزج بهم في النار .. فتظل بذلك الوسيط بين العبد وربه.. وتكتسب القدسية التي تمدها بأسباب البقاء.
وأكدت الرواية أن المسيح لم يكن عازفاً عن الزواج ،ولم يدعُ للرهبانية، بل كان متزوجاً من السيده “مريم المجدليه” التي اتهمتها الكنيسة بالعهر والزنا لكي تحافظ على فكرة تأليه المسيح وتبعد عنه الصفات الانسانية .

وتزيد الرواية، في أن تقدم لك إثباتات تاريخية على أن الكثير من المظاهر الوثنية التي كانت سائدة قد تم دمجها بالمسيحية بفعل متعمد، قام به الملك قسطنطين الذي كانت مملكته آنذاك تعبد الشمس.. وقد أوحى اليه ذكاءه بذلك، كأنسب حل للحد من الزحف والانتشار المسيحي الذي راح يهدد الوثنية التي كان يؤمن بها ..” كان قسطنطين رجل أعمال حاد الذكاء فقد استطاع أن يرى أن نجم المسيحية كان في صعود فقرر ببساطة ان يراهن على الفرس الرابحة .ولا زال المؤرخون حتى اليوم يتعجبون لذكاء قسطنطين في الطريقة التي اتبعها في تحويل الوثنيين عن عبادة الشمس الى اعتناق المسيحية . حيث أنه خلق ديناً هجيناً كان مقبولا من الطرفين وذلك من خلال دمج الرموز والتواريخ والطقوس الوثنية، في التقاليد والعادات المسيحية الجديدة ” ص260، ولا تترك الرواية هذه الحادثة التاريخية الخطيرة بدون القاء الضوء على بعض آثار هذا الدمج فتوضح على لسان بطل الرواية :” آثار الدين الوثني في الرموز المسيحية شديدة الوضوح ولا يمكن نكرانها. فأقراص الشمس المصرية أصبحت الهالات التي تحيط برؤوس القديسين الكاثوليكيين، والرموز التصويرية لإيزيس وهي تحتضن وترضع طفلها المعجزه حورس أصبحت أساس صورنا الحديثة لمريم العذراء تحتضن المسيح الرضيع. وكل عناصر الطقوس الكاثوليكية مثل تاج الأسقف والمذبح والتسبيح والمناولة وطقس طعام الرب، كلها مأخوذة من أديان قديمة وثنية غامضة.” وحتى يوم العطلة الأسبوعية الدينية في المسيحية كان قد سرق من الوثنيين عابدي الشمس ..Sunday
وتبين لنا الرواية بأنه الى ماقبل عملية الدمج التي تمت بين المسيحية والوثنية كان الاعتقاد السائد لدى أتباع السيد المسيح هو أنه بشر، ونبيّ فان ..
ويتفاعل القاريء -الذي تشده الرواية من بدايتها- مع جرأة الطرح الذي يلغي بكل سلاسة معتقدات سادت قروناً طويلة، ويجد نفسه منجذباً الى أحداث الرواية المثيرة بدون الالتفات الى الأفكار المزلزلة التي تطرحها، وهذه ميزة لاتتوفر إلا في الأعمال الأدبية الرائعة، المستوفية لأبرز شروط العمل الابداعي.

ولعله من الأدلة الدامغة على روعتها - من الناحية الأدبية – أنها استطاعت أن تضع القاريء العربي في ركن ظليل مباعدة بينه وبين مايمكن أن يستفز عواطفه بشكل سافر، حيث دغدغت الرواية عواطف القاريء المسلم الذي يحمل معتقدات واضحة ودامغة فيما يتعلق بانسانية المسيح عليه السلام، وبرفض كل تلك الطقوس التي تخرجه عن نطاق البشر، ولكنها في ذات الوقت كانت تلبس هالات أكثر وثنية على جماعة نزعت عليها ثوب التضحية والشرف ونسبت اليها اهتمامها بحماية حقيقة تاريخية تستأثر بها لنفسها الى أن تتاح الفرصة المناسبة للكشف عنها .
نعم لقد استطاعت الرواية أن تغيّب عن غالبية قرائها الالتفات الى مطبات خطيرة لايمكن تمريرها ببساطة.

ولاغرابة -حقيقة - في أن تخفى علينا مثل هذه الأضاليل في خضم التأثير العاطفي الذي أحدثته جرأة الأفكار، وفي خضم السرد المبهر لأحداث القصة، والتسلسل المشوق في حل الرموز والكشف عن الأسرار التي تقوم عليها الرواية أساساً .

وسأحاول هنا أن أشير باختصار الى بعض هذه المطبات التي حاولت الرواية أن تجعلنا نمر فوقها بكل هدوء، و بدون أن أن تحدث لدينا اهتزازات مزعجة، لعلي ألفت النظر اليها، وأجعل من سيقرأ أو يشاهد الرواية محتاطاً لها، فلا تطغى روعة الإبهار - الذي يحدثه التشويق في السرد الروائي أو الإخراج السينمائي- على خطورة الأفكار.

*نفت الرواية وجود انجيل صحيح لدى الكنيسة الحالية، ولكنها أكدت وجود هذا الانجيل، كما أكدت وجود الوثائق الأصلية المكتوبه بيد المسيح في توابيت كبيرة تقوم بحمايتها جماعة سرية قديمة التنظيم تسمى “أخوية سيون” .
*نفت الرواية صفة الألوهية عن السيد المسيح ، ولكنها ألّهت “مريم المجدلية” التي يقولون أنها كانت زوجته عليه السلام :”وأخوية سيون الى يومنا هذا لازالت تقدس مريم المجدليه على أنها الآلهة والكأس المقدسه والوردة والأم المقدسه”. ص285
*مريم المجدلية يرقد معها في التابوت كل الوثائق التي تدل على أحقيتها في السلطة التي أوكل بها اليها السيد المسيح حين أحس بالخطر المحدق به ..”الكأس المقدسة هو تابوت دفنت فيه مريم المجدلية مع وثائق تشير الى أحقيتها في السلطه “ص 287 .
*هوجمت مريم المجدليه من بعض الحاقدين فخرجت وهي حامل بابنة السيد المسيح وأقامت في فرنسا حيث وضعت ابنتها ساره ، وازدهرت سلالة المسيح في الخفاء، واختلطت بالدماء الملكية الفرنسية التي منها (غودفروا دو بويون ) مؤسس أخوية سيون ، وهو الذي أمر فرسان الهيكل بأن يستعيدوا الوثائق من مخبئها تحت هيكل سليمان لإثبات صلتهم بالمسيح .(وفرسان الهيكل هم الجناح العسكري لأخوية سيون) ص 394.
*”أخوية سيون المعاصره مكلفة بمهمة خطيرة جداً ذات ثلاث شقوق : حماية وثائق السانغريال وقبر مريم المجدليه، رعاية وحماية سلالة المسيح، الأفراد القلائل الباقين حتى هذا اليوم” ص289
وأخوية سيون التي تبرزها الرواية كمنظمة أوكل إليها حماية الإرث المسيحي الصحيح والسليم والنقي ماهي في الحقيقة سوى منظمة صهيون ..!!!
وهنا محاولة ذكية للتوحيد بين الديانتين المسيحية والصهيونية، والإيحاء بوحدة الأهداف فيما بينهم، على الرغم من الخلافات الكبيرة العالقة. ويتم ذلك من خلال نبذ العهد الجديد الذي لايعتد بصحته أصلا ونبذ الكنيسة ، والرجوع الى العهد القديم الذي يجمع بينهم !
لقد جاء على لسان بطل الرواية : “هناك فرق شاسع بين مناقشة بديل للمسيح وبين تقديم آلاف من الوثائق القديمة للعالم بأسره، على أنها دليل علمي يثبت أن العهد الجديد هو دليل زائف عن تاريخ المسيح ” ص379
استنكرت الرواية الدمج الذي حدث بين الوثنيات والمسيحية ولكنها أغرقت القارىء بكم من الطقوس الوثنية الغريبة واللآأخلاقية، التي تنهجها منظمة الأخوية الصهيونية، هذا عدا عن الأسرار والرموز المبهمة التي يحاولون تفسيرها بأسلوب يجعلها تبدو في قمة السمو والرقي !

استنكرت الرواية تمسك الكنيسة بالسلطة الدينية، هذا الوضع الذي كرسته من خلال تحريفها لحقائق تاريخية تتعلق بطبيعة السيد المسيح وطبيعة رسالته، لكي تحافظ على مكانتها وتظل تستمد القوة اللازمة لبقائها …ولكنها أوكلت بالوثائق السرية الحقيقية الى المنظمة الصهونية وادعت بأنها الوحيدة في العالم التي تعلم بمكان وجودها ، بما أنها هي التي ظلت تحميها طوال هذه القرون بعد أن استخرجها فرسان الهيكل من تحت هيكل سليمان وبأن من يحمي هذه الوثائق فإنها تمده بقوة عظيمة، ولذلك فقد مدت فرسان الهيكل بتلك القوة العظيمة .. وأخوية صهيون هي من سيقرر الكشف عن هذه الوثائق في الزمن التي تحدده، وهنا محاولة لجعلها منظمة مركزية بديلة عن الكنيسة تهدد العالم بأسرار ورموز غامضة لكي توهمهم بأهميتها وسلطتها ..

وفي الحقيقة لعبت الرواية لعبة محدودة الذكاء، حين كانت تسحب البساط من تحت أرجل الكنيسة لكي تضعه تحت أرجل أخوية صهيون ..يتضح هذا جلياً لمن مارس القراءة بتجرد وإبصار .

وبشكل عام فإن الرواية بذلت جهوداً جبارة ولكنها سافرة ، لكي تخرج بالقاريء وهو يكن تقديراً كبيراً وعظيماً لأفراد منظمة صهيونية هي “على علاقة قديمة بالماسونية العالمية” -حسب ما جاء على لسان بطل الرواية – تتفانى هذه المنظمة، وتعرض نفسها للأخطار في سبيل حماية إرث المسيح .. وفي سبيل إظهار الحقيقة ..في حين أن الكنيسة التي تدعي أنها تقدس المسيح، لاتفعل أكثر من العمل على إخفاء هذه الحقائق حرصاً على مصالحها ونفوذها ..
كما حاولت الرواية أن تخرج بنا مُحَمّلين برؤية جديدة ، أكثر تفهماً ، لطقوس شيطانية تقوم بها هذه المنظمة بشكل منتظم، تتكلل بممارسات إباحية كدليل على اتحاد راق ومقدس ونبيل بين الرجل والمرأة. “فالرجل لايستطيع أن يرى الرب إلا حين يبلغ مرحلة معينة من الممارسة الجنسية” !!
(فالأخوية جماعة تقوم بعبادة الأنثى وهم حماة الكأس المقدسة وحراس وثائق قديمه )ص 325
فلا ضير إذاً من النظر الى الممارسات الجنسية الإباحية على أنها شكل من أشكال العبادة والتقرب الى الإله ..
ويفترض بك أن تخرج من الرواية متحولاً عن عبادة المسيح الانسان تحولاً لايوجك الى عبادة الله خالق البشر، إنما ينحو بك منحىً وثنياً يدعو الى عبادة الأنثى المقدسة !

كما تخرج من الرواية وقد زال عداؤك للنجمة السداسية ..فما هي في حقيقة الأمر سوى امتزاج راق ومقدس بين الذكر والأنثى !

ولكن أسوأ ما يخرج به الانسان الواعي من هذه الرواية، هو إحساس خفي يدعو للخوف والترقب، من ممارسات صهيونية تهيئ العالم وتَحمِله على الاستعداد لتلقي أمور عقائدية وثقافية خطيرة يتم التخطيط لها بأساليب ابداعية مختلفة، لم ينج الأدب والفن منها ..
هذا وتتطرق الرواية في موضعين لتشويه الاسلام ولكن بشكل خاطف، وسريع لعلي أفرد لهما مقالاً آخر ..
في كلمة أخيرة وموجزة عن الرواية أُقيمُها خطيرة بكل المقاييس … وأدعو الى أن نفتح عقولنا ، ونُعمل حدسنا، ونستخدم ذكاءنا ، إذا قررنا قراءتها أو مشاهدتها ..