بشغف كبير تابع مشاهدوا الشاشة الصغيرة مسلسل خالد بن الوليد الذي قام باخراجه “محمد عزيزيه” وشارك في ببطولته عدد لابأس به من الممثلين من مختلف الدول العربية .
شغف مبعثه إحساس بالحاجة الى البطولات والانتصارات، هذا الاحساس الذي يسكن مشاعر معظم العرب والمسلمين ويلازم نفسياتهم منذ عقود طويلة .
ولايخفى على المطلعين ماأحدثه هذا المسلسل من ضجة قبيل البدء في عرضه، وتجاوزت هذه الضجة نقاد الفن، لكي تشمل علماء الدين وأصحاب المناصب السياسية وأعضاء البرلمانات والكتاب والمفكرين ….وليس في انضمام هذه الكوكبة من المهتمين مايسيء حقيقة ، لأن تفاعل مختلف أطياف المجتمع مع القضايا أياً كان تصنيفها يعتبر أمر إيجابي يحيي المجتمعات، ويصحح مساراتها.
وليس هدفي من هذه الكلمات طرح المسلسل للنقد الدرامي أو الفني، إنما أريد أن أضع بعض نقاط الاستفهام أمام ماجادت به انتقادات المعترضين على المسلسل على اعتباره جسد بعض الشخصيات من صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام .
لقد وافق على عرض هذا المسلسل التاريخي العديد من علماء الأمة الموثوق بهم، ولم يروا بأسا في ذلك، من أمثال الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الذي علق موافقته -الحكيمة والواقعية -على شرط مراعاة الدقة في الوقائع والصدق في الأحداث، إلا أن سنة الاختلاف التي جعلها الله بين بني البشر، تسببت كالعادة في تباين الرؤى وتباعدها، مما دفع رئيس جماعة الإخوان المسلمين الى رفض المسلسل بذريعة أن هؤلاء الصحابة هم كالكواكب والدرر التي لاينبغي تجسيدها!
كما تحرك الأزهر الشريف لكي يذكر بفتوى صدرت منذ عقود تحظر هذا الأمر، ورد عليه البعض بأن فتاوى الأزهر الشريف لاتلزم الا المصريين ..وذهبت الرئاسة العامه للبحوث العلمية والافتاء الى أن الأمر يشكل استخفافاً بالصحابة وتعريض لهم للنيل منهم والمفسدة في ذلك أكبر من المصلحة …
هذا بالإضافة الى الكثير، الكثير من الجدل الذي أثاره عمل درامي صور إنجازات قائد أسس -ومن معه- لقيام أعظم حضارة عرفتها البشرية، وساهم بشكل مباشر في ايقاف مد الكفر والشرك والظلم والفساد.
ولايسعنا إلا أن نعبر عن احترامنا لكل من أدلى بدلوه في هذه القضية بدافع حبه وغيرته على صحابة كرام ، ولكن……
لو أننا نظرنا الى الموضوع بقدر أكبر من الشمولية، ولو أننا عددنا زوايا النظر، وأمعنا في الأمر بمزيد من التعمق … لرأينا أننا حتى حين نكون في أمس الحاجة الى مثل هذه الأعمال الدرامية ، لا نتخلى عن العبارات الجاهزة ، المعدة مسبقاً بدون تمحيص أو دراسة !
كما أننا لا نبتعد عن أسلوب الاستسهال في اتخاذ القرارات والأحكام والمتمثلة هنا في المنع والتحريم ، لكي نريح أنفسنا من عناء البحث والاجتهاد !
هذا على الرغم من خصوصية الفترة الزمنية التي نعايشها والتي تتسم بالعديد من الصفات التي تتطلب نقلة جدية في أساليب الطرح والتناول لمختلف القضايا ..

*حقبة “بصرية” من الزمن..

مهم وعينا باحتياجات فترة زمنية “بصرية” إن صح التعبير، فترة تحتل الأجهزة المرئية فيها دور البطولة، وتشكل مصدراً مهماً وأساسياً للتلقي الثقافي والمعلوماتي، فالأجيال اليوم تصاغ وفق ماتعرضه أجهزة التلفزيون، والفيديو، والكمبيوتر، والألعاب الإلكترونية والسينما.. والصورة اليوم هي الوسيلة الأقوى تعبيراً والأعمق أثراً بالنظر الى ما تحمله من تشويق وإمتاع..
ولو أن سطوة الصورة لم تتزامن، أو تتسبب في إحداث خلل في جوانب أخرى مهمة، لما كان في الأمر بأس، لكن المؤلم في الأمر أن الصورة تهيمن، بينما يتراجع أثر الكتاب، ويتقلص دور الأسرة، وتبهت بصمة المدرسة ..
ونحن بكل مانملك من مثقفين ومختصين ومهتمين ندرك هذا الأمر ولكننا الى الآن لانتحرك في الاتجاه المتناغم والمتلائم مع متطلباته، ولانوليه الاهتمام المطلوب الذي يتماشى مع حجمه الفعلي!
وكأننا لانجد من الأسباب ما يكفي لكي نتخذ قراراً جريئاً يتيح لنا فرص الالتفاف المشروع على وسائل العصر، والتحايل عليها، واستغلالها والاستفادة منها كما ينبغي ..
ومما يدعم هذه الحقيقة هي مانراه من إهمال لجدوى الاجتهاد الذكي، المتلائم مع طبيعة واحتياجات العصر والحقبة الزمنية !
إننا عندما نهاجم التمثيل وتجسيد الشخصيات التاريخية العظيمة، وعندما نستبعد الصورة والتمثيل الدرامي كمصدر ايجابي للمعلومة، نبتعد كثيراًعن الحكمة، ونسد باباً واسعاً للمعلومة ومنفذاً كبيراً للفائدة .
منفذا بإمكانه أن يخفف الى حد كبير من حالة الفقرالمخجل، التي نعانيها على صعيد السيرة العطرة لشخصيات جسدت النجاح الانساني في مختلف جوانبه، بما أن الأجيال قد هجرت الكتاب الذي تسجل مبيعاته انحساراً مستمراً .. وبما أنها قد فقدت الثقة بمعلومات الأسرة التي لاتشكل دائما المحضن الذي يمدها بالمعلومات التاريخية اللازمة.. وبما أنها لم تجد مايشبع نهمها ويروي فضولها في المدرسة، خاصة حين يتعلق الأمر بحصص التاريخ التي تُدرس بطريقة قائمة على السرد الممل الذي يخلو من التشويق والجذب، ولايخرج بأية عبرة أو فائدة.
أمام هذه الأوضاع المؤلمة التي لايمكن لعاقل أن يتجاهلها يصبح التمثيل وتجسيد الشخصيات التاريخية الناجحة هو الوسيلة الأكثر أثراً لكي ينال شبابنا حظه من الإحاطة بالجوانب البطولية الرائعة للشخصيات التاريخية العظيمة…

*حقبة أحادية القطب :

ومن السمات العامة أيضا لهذه الحقبة الزمنية هي كونها حقبة ” أحادية القطب ” تهيمن عليها دولة قوية عظمى، انعدم التوازن في ما بينها وبين الأمم الأخرى على الصعيد الفني، والعلمي والسياسي، وبسبب انعدام التوازنات هذا، تتعرض الأمم الأقل قوةً الى طوفان من الممارسات الخطيرة، الهادفة الى محو ثقافاتها المتنوعة واحلال ثقافة واحدة، وقد نتج عن هذا التحرك الثقافي الخطير جيل عربي ينقصه الكثير من التقدير والاحترام لتاريخه، وثقافته، وحضارته، ولؤلئك العظام الذين صنعوا تلك الحضارة .
ويتطلب منا هذا الهجوم الثقافي المستميت مواجهة حكيمة ، تستثمر مختلف القنوات والوسائل والتقنيات المتاحة ، ولا نبالغ حين نقول أن من أبرز، وأنجح الوسائل في هذه المواجهة هو الاستخدام المدروس للتلفزيون، ومحاولة تجسيد أدوار أولئك العظام لتقريبهم من الواقع وتحويلهم من أساطير على صفحات كتب لاتُقرأ، الى حقائق تُرى وتُشاهَد وتؤثِر..
فالشاشات اليوم يستأثر بها أشباه أبطال يمنحهم الإعلام ألقاب البطولة ويتوجهم بهالات من العظمة الخادعة، بينما يغيب عنها التجسيد الفعال لأبطال حقيقيين أبطلوا ادعاءات المحدودية الانسانية، ونشروا بإصرارهم، وعزيمتهم معاني القدرة، والإنجاز، والصبر، والنجاح، ولأن أبناءنا لايرون أمامهم إلا ماتعرضه الشاشات ممن يدّعون البطولة، لايجدون بداً من الانبهار والاقتداء بهم، في حين يعزفون عن الاقتداء بتلك الكواكب التي أضاءت وجه التاريخ الانساني بأكمله، وما ذلك إلا لجهلهم بهم وبإنجازاتهم .. فالمرء عدو ما جهل!
لعله من المفيد أن نترك المجال لأصحاب الشاشة وصناع السينما يمارسون مهامهم الدرامية الهادفة بما أننا لانمتلك خطة متكاملة للتوجيه الثقافي الهادف لصياغة الأجيال، وبما أننا لانمتلك أصلاً صورة واضحة لهذه الأجيال التي نتطلع لصياغتها.
لنترك لأصحاب السينما فرص الاجتهاد لوضع مشاريعهم لعلهم يهيؤون لأبنائنا مايمنحهم فرصة الاعتزاز بتاريخهم وحضارتهم ..
لعلهم باستخدامهم للأجهزة البصرية المعاصرة يستفزون الأجيال لبدء عملية تغييرية تدفعهم الى العطاء والاصلاح على الصعيد العملي والعلمي والسلوكي.
إن في تجسيد بعض جوانب هذه الشخصيات العظيمة، حث للأجيال اليوم على إعادة تقييم ذاتها، في ضوء مستوى الذات المتألق لدى قادة عظام ينتمون الى نفس المزيج البشري الذي ننتمي اليه، بينما تتباعد الهوة بين عطاءاتنا وعطاءاتهم ..
خاصة وأن الساحة المعاصرة تكاد تخلو من قادة عظام يجسدون القيم الانسانية الراقية في مختلف نواحيها، بدون أن يكون لديهم من المصالح الفردية والأغراض السياسية أو الاجتماعية أو المادية مايشوب عملهم أو يشوهه أوينقص من مصداقيته .
الأجيال اليوم تتطلع الى شخصيات تمكنت من صياغة ذاتها لكي تفرغ من خلالها الشحنات السالبة التي خلفتها الانهزامات والتخاذلات المتتالية للأمة، ولكي تتخفف من حملها الثقيل الذي راح يرهق كاهلها .
إنها تتطلع الى شخصيات تمتطيها فتمدها ببعض الشحنات الموجبة التي يكون بمقدورها التحليق بها بعيداً عن مستنقع اليأس والقنوط الذي تعيشه، لكي تبدأ نهجا جديدا في التعامل مع النفس والحياة.
إن شبابنا عندما يسمع عن هذه الشخصيات في الكتب التاريخية، أو من خلال سرد منقوص يتداوله الناس فيما بينهم ، يعتقد أن الأمر يتعلق بشخصيات خيالية تبتعد عن مقاييس الموضوعية والمحدودية البشرية، ولكنه عندما يراها أمام ناظريه كشخصية انسانية درامية تتحرك مجسدةً بعض الجوانب المضيئة، فإنه بذلك يبعد وهم الخيال عن نفسه ويكسر حواجز الزمان التي أقامتها تلك الروايات التي تناقلتها الألسن وتلك الصفات التي طبعت على الورق …

*مقاربة بين الكتاب والشاشة

إذا كان أشد ماأثار المعارضين لمسلسل خالد بن الوليد هو التجسيد لشخصيات الصحابة، فإنني أريد أن أقارب هنا، بين مايشطح به قلم الكاتب والأديب، حين يمتطي صهوة خياله لكي يصيغ الشخصية التاريخية صياغة جميلة، مستجمعاً في ذلك كل إبداعاته الأدبية الخلاقة، التي كثيراً ماترفع من شأن الشخصيات الى مصاف هي أقرب بمصاف الملائكة، وبين ذلك المخرج الذي يستخدم أدواته الفنية، ووسائله التقنية، لكي يرسم ملامح الشخصية، ويصقلها، ويجعلها تؤدي أداءاً متلائماً قدر الإمكان مع تلك الأوصاف التي جادت بها أوصاف السابقين واللاحقين …
لو تعمقنا في هذه المقاربة لما رأينا في القضية إلا تكاملاً في العملية الانسانية الدرامية .!!
تكامل بين ماقد كتب على صفحات الكتب وما يتم تجسيده على شاشة التلفزيون ..
لماذا لانجد حرجاً عندما نقرأ العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، وخالد محمد خالد، وطه حسين، وغيرهم من عباقرة الأدب وهم يصفون بكل امكاناتهم الأدبية، والفنية، والابداعية، شخصيات الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام محاولين تجسيد ملامح تلك الشخصيات وتسليط الضوء على بعض مناقبها ، أيمكن أن ندعي أن في الأمر تحجيم لهم ؟؟؟
فقط إذا امتلكنا جرأة الرد بالإيجاب على هذا السؤال، يحق لنا آنذاك أن نرفض التجسيد الدرامي أيضاً .. أما إن رأينا أن تلك الأعمال، وذلك الغوص في الشخصيات الصحابية ونفسياتها، وأعمالها وجهودها هو قمة مايرنو اليه العمل الانساني في جوانبه الأدبية، والابداعية فلا يحق لنا حينها أن نخرج عن نفس الرأي فيما يتعلق بالتجسيد الدرامي ..
ولماذا يعطي بعضنا بعضاً حق الخوض في أعماق تلك الشخصيات الرائعة، وتحليل نفسياتها وايجاد العلل لمواقفها، وقد يصل الأمر أحياناً الى حد اتهامها، وتأويل أقوالها وأفعالها حسب فهمنا وتصورنا للأمور،ولانرى في ذلك أكثر من محاولات تحليلية أدبية إبداعية، نهلل لمن كتبوها ونصنفهم مع العباقرة والأدباء ، بينما لانفعل ذات الشيء مع من حاول تجسيد هذه الشخصيات أداءاً، وحواراً، وحركة بطريقة مرئية؟!
لماذا يحق لمن جسد الشخصية على الورق أن يسمى أديبا مبدعاً ولا يحق في المقابل لمن جسد هذه الشخصية تمثيلاً على الشاشة أن يسمى فناناً مبدعاً؟!
تساؤلات علينا الاجابة عليها بمزيد من الحكمة بعد أن نخرج بأنفسنا عن القوالب الجاهزة والاجابات المعدة مسبقاً !
إننا بحاجة فعلية الى هذا …
إن أولئك الكواكب والدرر،كما سماهم رئيس جماعة الاخوان المسلمين في مصر يستحقون أن نجسد شخصياتهم، بل نحن في أمس الحاجة الى تجسيد أدوارهم، وتوجيه الأضواء على انجازاتهم وتضحياتهم علّنا نقتبس من نورهم ونتتبع خطواتهم…علّنا نستبدل النوعية الرديئة من المسلسلات بأخرى متميزة ، ذات قيمة انسانية وثقافية… فيما لسنا بحاجة الى تجسيد مايزحف في القاع من صناع الانحلال الأخلاقي والانحراف الفكري والعقائدي.
يبدو أن الحاجة أصبحت ماسة الى حركة اجتهادية تقوم بوضع معايير أكثر واقعية، وعملية لأجل الوصول الى صيغة أداء سينمائي ودرامي سليم، ومناسب، ومحيط بخصوصية ومتطلبات المرحلة الزمنية التي تفرض علينا التشبث والالتصاق اليومي بوسائل الاعلام المعاصرة.. يبدو أن ذلك هو أفضل بكثير من استسهال الأمور بالرفض والاستبعاد.