لكي لا تتهم بأنك من أصحاب النظرة التشاؤمية للأمور والحياة، احتفل مع المحتفلين في وداع عام واستقبال عام…فليس من التفاؤل استقبال العام الجديد بدمعة، خير من ذلك استقباله ببسمة ورقصة…

في العام الماضي أيضا أوحى لنا جزؤنا المتفائل بذلك، فتفاءلنا وتطلّعت أحلامنا إلى أفق السنة الجديدة التي ستأتي محمّلة بدواعي البسمات…لكنها لم تأت لنا إلا بمزيد من التعاسات، مزيد من التمزق، ومزيد من الشتات..

لم يَصدُقنا جزؤنا المتفائل الحلم ولم يف بوعده… ولا يبدو أنه سيصدُقنا العام المقبل، فما يلوح في الأفق لا يوحي بذلك..!

 

تُسفر الحياة عن دروس حية واضحة، لكننا نصر على إغماض أعيننا عنها، من تلك الدروس أنه لا جدوى من تفاؤل لا يصحبه فعل، وأنه لا جدوى من فعل يأتي بلا تخطيط، وأنه لا جدوى من تخطيط غير واضح الأهداف، وأنه لا جدوى من أهداف لا تنطلق من رؤية واضحة، ترمي إلى تحقيق مصلحة الأمة الخاصة منها والعامة…

غالباً ما يستطيع الوداع أن يسرق منا ابتسامة، على الرغم من قسوته، فمعظم الوداعات تشهد امتزاج الدموع بالبسمات، لكنه في وداع عامنا المنصرم هذا سيكون من الصعب استحضار الابتسامات..

لماذا ؟ لأن كل المعطيات لا تبشر بخير، وقد قيل “الأحمق فقط هو من يقوم بنفس العمل ويتوقع نتائج مختلفة”… فما الذي يتغير في أفعالنا مما يستوجب تغيير توقعاتنا بنتائج هذه الأعمال؟!

حال مجتمعاتنا يزداد سوءاً وما من خطط تقدم علاجاً مطمئناً، وضع قضايانا المركزية يزداد تدهوراً وما من رؤى تحمل بذور صحوة تقترب.

أمام أعيننا تغتال كل القيم، وتنتهك كل الحرمات، ولا حراك..!

“غزة” بأطفالها ونسائها وشيوخها وضعفائها مازالت تحت حصار محميّ بصرامة…!

المسجد الأقصى مهدد في أساساته، القدس تُسرق وتهوَّد في العلن، الاستيطان مستمر تحت تشجيع الليكود المتطرف المنتَخَب ديمقراطياً، المقدسيون يُطردون من بيوتهم وبيوت آبائهم، ليحل محلهم حثالة من الصهاينة المحتلين…كل هذا والفرقاء ما يزالون مختلفين..!

جراح مسلمة بدأ نزفها في الأعوام الماضية، ما يزال نزيفها قائماً وبقسوة، أفغانستان والعراق، عادتا حقل تجارب لصناعة الموت والقتل والدمار والتشريد…

دماء عربية مسلمة جديدة بدأت بالنزف في اليمن، تهديدات تآمرية جديدة تلوح في الأفق مستهدفة دولاً إسلامية عربية أخرى كالمملكة السعودية، ودول الخليج…

الموت جوعاً يهدد أكثر من مليار إنسان على الأرض، بينما يلهو أغنياء العالم  مع كلابهم و قططهم المدللة، ويعبث آخرون بترصيع مركباتهم  بالماس، ويباهي آخرون بعدد الغرف الفارغة الفارهة في قصورهم … في لامبالاة توهمنا بأننا نعيش عالمين على كوكبين مختلفين…

فوضى عالمية، وتنافس وتسابق محموم على جني الأموال، حتى لو كان على حساب البشر والمناخ والطبيعة..

يتم كل هذا على مرأى ومسمع من حضارة تتربع على عرش العالم،  معلنة عن نفسها ربّة للإنصاف والعدالة، وتنصب نفسها مسؤولة عن شؤون هذا الكوكب، وتصر على دورها ذاك متبجحة بالنجاح، على الرغم من كل شهادات الفشل التي تحصدها على مر الدقائق والثواني..!

ومع كل ذلك لا ينبغي لنا أن نقمع جزأنا الحالم المتفائل ، ولا أن نكبح جماحه، ولا أن نحد منه، لكن علينا أن نفكر كيف نجعل منه تفاؤلاً مبرراً، تفاؤلاً إيجابياً مدعماً ومتوجاً بأعمال، و بمعطيات واضحة، لكي لا نكون كالسذج الذين يرتضون بالأحلام، لا يغادرونها ولا يتجاوزونها.. أولئك الذين يختلقون لأنفسهم أكذوبة ثم يعيشونها.. ويتفاعلون معها…ويكتفون بها، بينما يجني غيرهم ثمار الحقيقة والواقع…

“لا تكن متشائماً..وكن متفائلاً” توصية جميلة، لكنها تظل كدعوة مجهولة العنوان والزمان، إلآّ إذا أشرق شعاع ذاك التفاؤل داخل النفس، فدفعها لتنطلق وتضيء ما حولها، من تغيير السيئ، وتحويل المنحرف، وإصلاح المختل… حينها فقط يصبح لتلك الدعوة تعريف تُقّر به الأيام، تلك الأيام التي لم تَعترف، ولم تُخبر عن  أمّة نجحت بزاد من الأحلام الواهية و التفاؤلات الفارغة…