ما زالت الذاكرة تنقل لي بين فترة وأخرى مشهداً ترك بصماته على جدرانها…

والبصمة الراسخة في الذاكرة، تكون أقرب إلى الحدث الحاضر، في صداها وفي قوة تأثيرها، ولعل القول بأن أقوى البصمات ثباتاً هي تلك التي تنطبع في الصغر…حقيقة غير قابلة لأي مراء أو نقاش..

حين كنت طفلة في الخامسة من العمر، وفي واحدة من زيارات جدتي لنا، دار بينها وبين والدتي حديث كنت أنا موضوعه، فهمت منه يومها، أنني سأذهب إلى “الشيخ” لكي أحفظ القرآن وأستفيد من الوقت بدل إضاعته..

وأخذت جدتي تغريني بلهجتها العربية - التركية المكسرة بقصر في الجنة أروع وأكبر بكثير من بيتنا العربي الممتع، وبأرفف تحوي الكثير من الألعاب والدمى، وبعلب محملة بالهدايا التي تفوق بأسرارها تلك التي كانت تحملها إلي،  كما حرصت على أن تعدني بتلال من الحلوى وأنهار من العسل…

 

كل هذا سأحصل عليه إذا ما حفظت القرآن الكريم، أحسنت إغرائي هذه الجدة الحنون، فوافقت على التضحية بالصباحات الجميلة في دارنا، والتضحية باللعب واللهو البريء مع بنات الجيران، والتضحية بهوايتي المحببة في صناعة عقود من الياسمين… وتقرر أن تصطحبني في اليوم التالي…

 

استيقظت مبكراً، كنت فرحة، فأنا ذاهبة إلى ما سيوصلني إلى القصور والدمى والحلوى…أمسكت جدتي بيدي، انتابني إحساس جميل بالأمان والسعادة، وسرنا في الطريق إلى “الشيخ”…

عندما وصلنا إلى المكان، وألقت جدتي بالتحية على الرجل من بعيد ومن خلف ملاءتها السوداء، أحسست فجأة وكأن مؤامرة دُبرت للإيقاع بي… ورأيتني أتمسك بيد جدتي، لا بكف واحد بل بكفين معاً..لم يعد الإمساك بها إمساكا عادياً، تحول إلى تشبث وتعلق، ووجدت جسمي الصغير يقترب منها بكليته، ويلتصق بها في محاولة للاختفاء بما دنا مني من أطراف تلك الملاءة …

فقد تزامن وصولنا مع لحظة تأديبية لأحد الصبية الصغار، وأمام هذا المشهد التأديبي تلاشت فرحتي، واختفى إحساسي بالأمان، ليحل محله دهشة مشوبة بالخوف … مازلت أرى تلك اليد الصغيرة الغضة الممدودة إلى الشيخ، ومازال وقع الضربات القاسية الهابطة من العصا الغليظة يرن في أذني، امتلأ المكان بدموع الطفل وبكائه وصياحه، ولكن ما من منقذ، علت الرهبة وجوه الأطفال، وساد صمتهم المفجوع، كان البعض منهم يرتجف خيفة وهو جالس في مكانه…

“في المرة القادمة احفظ جيدا” هذا ما قاله الشيخ وهو ينزل عقابه، عاد الطفل إلى مكانه متألما باكياً… تبعته بنظري الذي راح يجول في أنحاء غرفة صغيرة كئيبة، شغل الأطفال مساحتها بالكامل، كانوا يتربعون على حصير متواضع جداً، فهمت أنها كانت الجلسة الإجبارية حين صرخ الشيخ في أحدهم قائلا، ” تربع ياولد” أحسست بالخوف من أن تُفرض علي هذه الجلسة، لأنني لم أكن أحسنها ولم أكن أرتاح فيها…

 تفرغ لي الشيخ، وناداني لكي أقترب منه… وكيف سأقترب؟ وما الذي سيقربني…؟!!   

أنا اليوم أحسد نفسي الصغيرة تلك، على إصرار لربما لم أعد أمتلكه بذات الحجم والكم والصورة، قلت له:” لأ ” …

أنَّبتني جدتي بلطف قائلة: “هيا اذهبي لا تخافي فالشيخ سيعلمك القرآن…” قلت:  “لاأريد”، حاول الإمساك بيدي سحبتها بقوة واختبأت خلف جدتي، زاد في محاولاته، وحين شعرت أنه يقترب من الإمساك بي، بدأت بالصراخ والعويل والبكاء، لم يرحمني، بل حول من لهجته، وراح يهددني بعقاب كالذي ناله الطفل الذي لم يحفظ، فما كان مني إلا أن أفلتتُ من يد جدتي وهربت حافية القدمين، بكل ما أعطيت من قوة… وصَلت البيت تحت دهشة والدتي، كنت أبكي بخوف… لا أذكر ما الذي حدث فيما بعد…لكنني لم أعد إلى الشيخ…

  

قفز هذا المشهد منذ أيام قليلة إلى دائرة وعيي، حين كنت أقرأ عن تقرير نشرته جريدة الرأي الأردنية في عددها ليوم 17/12/2009 يذكر التقرير “أن السلطات الهولندية رصدت وقائع تعرض فيها أطفال للضرب أثناء حضورهم لحصص تحفيظ القرآن في المساجد، وتم تحرير محاضر في لاهاي بتهمة الإساءة للأطفال في 49 حالة، وأضاف التقرير أن الفحوص الروتينية رصدت وجود بقع زرقاء وآثار ضرب على أجسام الكثير من الأطفال المشاركين في حصص لحفظ القرآن الكريم.”

ويضيف التقرير بأن مصدراً في إحدى الهيئات المسؤولة عن الصحة قال :” آن الأوان للتدخل”…

قد يحلو للبعض أمام تقرير من هذا النوع ترك الحدث وإهماله، والتحول إلى البحث في نوايا القوم، وقد يفتح هذا التقرير شهيتنا الهروبية إلى تصنيفه من جملة ما يحاك من مؤامرات على الإسلام والمسلمين، إلا أن عرضه هنا لا يشكل دعوة إلى هذا ولا ذاك ، لكنه يهدف إلى طرح أسئلة جادة هي:

إلى متى نغض أبصارنا ونصم أسماعنا عن أخطائنا، ونتركها إلى حين تفاقمها، وبلوغها الحد الذي يلفت انتباه الآخر، ليأتي هو ويبحث فيها ويحاول علاجها؟

 

أين لجان حقوق الطفل في العالم العربي والإسلامي من هذه الظاهرة التي راحت تتناولها الآن الجهات الحقوقية الغربية، وتستخدمها كوسيلة للتشهير…؟

ومن الذي يعطي الحق لمحفظ كتاب الله بأذى الحُفاظ من الأطفال؟

وهل هذا أسلوب ناجح للتحفيظ؟

و كيف يجوز لنا أن نتجاهل إحداث ربط بين تحفيظ كتاب الله، وبين تعليمات الإسلام التي تنبذ العنف، وتعتبر أن “الرفق ماخلا من شيء إلا شانه” ؟؟؟

أي تناقض هذا، بين قيم تزين رسالة الإسلام من رفق وعدل ورحمة وعطف،و بين الطريقة التي يتم بها تلقين ذلك!!!

بل أين عقلانية القرآن وعِلميته حين نعلمه ونحفظه بأسلوب لا علمي ولا عقلاني؟!

إن الذي يعلم القرآن بالضرب، لا يختلف في كثير عن ذاك الذي يعلم الإخلاص بالخيانة، ويعلم الصدق بالكذب، ويعلم الأمانة بالسرقة…

خطير جداً أن يتم الفصل بين محتوى الرسالة ومضمونها وأهدافها، وبين وسائل وأساليب تلقينها وتعليمها، هنا فصل يعلن صراحة عن فساد الرسالة وفشلها وعدم قدرتها على أن تعبر عن مضمونها بذات الأسلوب الذي تعمل على تبليغه… ذاك أقل ما يمكن قوله من أناس لا يعرفون حقيقة الإسلام العظيم …

 إذ كيف يصح أن نقول أن الإسلام هو دين الرحمة والرفق واحترام الحقوق، وعدم الأذى، ثم نمارس عكس ذلك فعلياً أثناء عملية التلقين أو التعليم، حين ننبذ الرحمة، ونستبعد الرفق، ونتجاهل حقوق الطفل، ونلحق الأذى بجسمه ونفسه وعقله؟!

كيف يتفق أن نعلم الآخر أن لجسدك عليك حقاً- وأول الحقوق هو عدم إيذائه- ثم نبيح لأنفسنا إيقاع الأذى بذلك الجسد، بحجة الحرص على تربية الطفل أو تحفيظه أو تعليمه؟!

القضية بحاجة ماسة إلى وقفة أيها السادة الدعاة، والمحفظون، والمعلمون والحقوقيون، والآباء، وأولياء الأمور… فما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة أحداً قط… هكذا تعلمنا، فلنتأسى به عليه الصلاة والسلام… ولنتق الله في أنفسنا وأطفالنا ومجتمعاتنا، ولنتق الله في هذا الدين الذي ما بقي من أحد على وجه الأرض، إلا وراح يطعن فيه، بسبب ممارساتنا الخاطئة المشوهة، ومعلوماتنا المبتورة، ومجاملاتنا المنافقة، و سكوتنا الشيطاني… فهل من تغيير قبل أن يمارس الآخر حرفته المحبوبة المتمثلة في الصيد في مياهنا العكرة ؟!   

                                 

                                                       ابتهال قدور