فدتك نفسي أيها الطفل الصغير في غزة، يبدو أننا سنستغرق وقتاً أطول لندرك كم أنت بطل…كم أنت شجاع ، كم أنت صبور…وأيضا.. كم أنت منبوذ!

وما ذاك إلا لاتساع الفجوة بيننا، فجوة خلقتها السياسات الظالمة، وصنعتها المصالح المنحازة، وتزيد من حبكتها اليوم الأسوار العميقة – العالية..!

 

ليس غريباً في أدبياتنا العريقة أن يُعلم الصغيرُ الكبير، وليس مستهجناً في حضارة لنا كانت قد أنارت الأرض، أن يتفوق الصغير على الكبير، لكن الغريب والمستهجن هو أن يُسلم الكبيرُ الصغير بدم بارد إلى قاتليه…

 

وهذا العالم الذي ما اتفق على معروف، يتفق اليوم على منكر، لكنه منكر سيطبع على جبينه بقعة سوداء تتسع وتتسع لتغرق بسوادها وظلمتها كل كيانات الصمت المتسلطة على العالم…

 

يتفقون على محاصرتك خلف جدران وأسوار، وأنت صاحب الأفق المتصل بأنبياء الله ورسله، ويتفقون على مص دمك قطرة قطرة وأنت المقبل على الشهادة وحياة الخلود، ويتفرجون بتشف على مشاهد تُبرز قسوة الجوع وهو يفني جسدك النحيل، وأنت مالك شجرة الزيتون المباركة وأرضها وسماءها!

 

يوم الثلاثاء الموافق 12 يناير، اعتقل شخص على متن إحدى الخطوط الجوية، لأنه ذكر كلمة “قنبلة” مرتين، ذكرها مازحاً مع صديقه الذي كان بجانبه، فأرعبت الكلمة العاملين والمسؤولين والركاب، وكل من سمع الخبر قريباً كان أو بعيداً..واستنفرت قوات الأمن، ولم يهنأ لها بال حتى غلقت الأبواب على هذا المغامر المستهتر.

 

هناك لوائح صارمة يُعمل بها اليوم، تقضي باعتقال كل مشتبه به حتى لو كان مازحاً، هنا قضية ليس للمزاح حيز فيها…قضية هزلها جد وجدها جد، لأنها تتعلق بحياة مدنيين أبرياء، وهذا أمر جميل، وحسن، و رائع…

 

ولكن أين سنواري عارنا حين سيسمع طفل غزة المحاصرة بهذا الخبر، وهو الذي تلقى رأسه الصغير أكبر عدد من قنابل العالم…

كيف سنشرح له منطقية اعتقال شخص تلفظ بكلمة “القنبلة” مرتين، بينما يفلت من أي عقاب أولئك الذين جعلوا من جسده الغض هدفاً لقنابلهم ورصاصهم وكل أشكال أسلحتهم الحديثة التي جادت بها أعلى التقنيات؟!

وهل النطق بالخطر أخطر، أم إنجاز ذلك الخطر وتحويله إلى فعل هو الأكثر خطراً؟ وهل المتفوه بالخطر أكثر جرماً أم المنفذ فعلياً لهذا الخطر؟! هذا سؤال لم يعد يحكم على سائله بالحمق والسذاجة، إلا أنه قد يصنف في عالمنا الحر هذا، مع الخبثاء و سيئي النوايا…

فنحن اليوم نعيش عالماً قُلبت فيه الكثير من الموازين، وتفككت فيه الكثير من المعادلات المنطقية، وساده الكثير من التطرف، وبحكم هذا التطرف فإن العالم اليوم إذا ما أراد حمايتنا، فهو يحمينا حتى من أثر الكلمات، واحتمالاتها، وصداها، وإذا ما أراد قتلنا فهو يقتلنا بلا مسوغات ولا مبررات ولا شروح ولا أعذار…

 

إذا ما أراد هذا العالم حماية قوم، لا يعود هناك مكان للهزل، وتصبح للكلمات آثار تفجيرية، تفوق ما يحدثه الرصاص الفعلي من أثر على رؤوس قوم آخرين، وقد نصبح غير بعيدين عن منظومة لغوية، تُصنف الكلمات وما يقابلها من عقوبات، فيكون من نطق بكلمة “الجهاد” مرة مستحقاً للسجن المؤبد، ومن نطق بكلمة “مقاومة ” مرتين مستحقاً للإعدام شنقاً، وكذلك كلمات أخرى ملغومة من مثل: غزة، حصار، جدار، محتل، عدو صهيوني… إلى آخر ما هنالك من كلمات لا تروق لأبطال مسلسل الصمت!

 

وفي المقابل، فإن من يقرر هذا العالم قتله، لا يترك له أبواب مفتحة ولا مواربة، ولا حتى نفقاً ضيقاً حرجاً يتنفس من خلاله، يتركه في عراء فاضح، ويمطره بأشكال الأسلحة التي جادت بها تقنياته المتفوقة، لامياه صالحة للشرب في غزة.. ما من مشكلة يراها عالمنا، لا طعام لا حليب أطفال لا أدوية لا كهرباء لا أمان لا مقوم لحياة إنسانية كريمة، كل هذا لا يشكل أزمة لدى عالمنا المتحضر، أطفال تموت ظلماً بلا ذنب جنته، ومن قدر له أن يعيش منها، فإن عليه أن يكمل عيشه مريضاً أو مختلا نفسياً أو عقلياً، أو معاقاً في بعض أعضائه، أيضاً لا مشكلة تستحق أن يعتقل أحد بسببها…يا له من عالم!!

 

هنا بقعة جغرافية مغضوب عليها من قبل عالمنا الحر المتحضر، عليها أن تموت وأن تفنى بكل وسائل الموت: الخوف والرعب، القهر والذل، الجوع والعطش، العري والتشرد، المرض والإعاقة…وهناك… بقعة جغرافية مَرضيّ عنها، على العالم واجب حمايتها حتى من الكلمات!!!

علينا أن نلاحظ كيف تتحول الجمالية التي تتضمنها حادثة اعتقال شخص أرهب الناس “بكلمة”، إلى بشاعة حين نحاول تطبيقها على طفل غزة، وكيف تقوم هذه الحادثة باستنطاق واقع أليم منحاز وظالم..وعلينا أن نتساءل لماذا لا تعمم تلك الحماية بتلك الجمالية على كل بقع الأرض، وعلى كل ساكنيها؟

لكنه عالم أبى إلا أن يكون انتقائياً، وأصر على الابتعاد عن صفات ترفعه إلى مصاف العوالم الإنسانية الرفيعة.

 

وأنت يا طفل غزة المنكوبة عليك أن تتقبل كل هذا بوعي الكبار، وعليك أن تتفهم صمت الكبار، وأن تغض الطرف عن لا منطقيتهم، وعليك أن تراعي ظروفنا، وتقدر مصالحنا، ولا تنسى أن تبتسم لنا ونحن نضعك لقمة سائغة في فم التنين، لكي لا تشعرنا بالذنب!   

نعم يا من انسكب الرصاص على رأسك، وتفجرت القنابل الشيطانية الحديثة الصنع على صدرك، يبدو أننا سنستغرق مزيداً من الوقت لكي ندرك حجم جرائمنا في حقك…فما عدت صغيراً وما عدنا كباراً، أصبحتَ بصبرك ومعاناتك وألمك، الكبير فينا…وأصبحنا بانهزامنا وصمتنا وعجزنا الأقزام أمامك..