أطل علينا السيد “ساركوزي” رئيس فرنسا التي كافحت لتكون كلمة “الحرية” هي العليا … ليذكرنا بأن موقفه من الحجاب والمحجبات مازال ثابتاً، ولم يتغير..

إلا أنه اليوم لم يذكر الحجاب بسوء بعد أن لاحظ أن شوارع بلده قد امتلأت بالمحجبات من مختلف أطياف المجتمع، وأن منعهم للحجاب في المدارس قد زاد النساء ستراً.

اختار الآن أن يتحدث عن البرقع…معتبراً أن هذا الأخير يمس بكرامة المرأة، ولكنه مع ذلك لم يلجأ الى نساء سليمات الفطرة، يستمع منهن، لكي يدرك أن التطرف في التعري هو ما يشكل مساساً بتلك الكرامة…

 

ولكي يتيقن من أن الشذوذ والمثلية المتصاعدة بأعدادها، هي التي تشكل مساساً أيضاً بتلك الكرامة !!

ولو أنه أنصت قليلاً إلى صوت المرأة السليمة النقية من عمليات التلويث الأخلاقي، لانتبه الى أن أوكار المتاجرة بالأجساد هي أكثر مساساً بكرامة المرأة…

وبما أنه لم يستمع الى تلك النداءات، يمكننا أن نجزم بأنه لم يستمع أيضا الى نداءات مجتمعه… ويتضح هذا الأمر من خلال تغاضيه المتعمد عن كل المشاكل الأخلاقية التي يعاني منها المجتمع الفرنسي، وتركيز اهتمامه على موضوع الحجاب تارة والنقاب تارة أخرى !!

أين ذهب بأعداد المدمنين على المخدرات إذاً، وماذا فعل بالأطفال غير الشرعيين؟ وكيف عالج الإيدز وأسبابه؟ وعلى أي وجه حدَ من انتشار العنف والجريمة؟ وكيف قضى على حوادث الاغتصاب؟ وبماذا كافح الاتجار بالأطفال واستغلالهم جنسيا؟ وماذا فعل بالأرقام الخيالية للقتل المتعمد الناتج عن الإجهاض الإرادي؟

كيف وكيف وكيف…عليه أن يدلنا قبل أن يوهمنا أن الحشمة المبالغ فيها هي أمر أشد خطراً على كرامة المرأة من كل مايتهددها داخل وخارج منزلها…

هذا الرئيس المتفهم جداً لكرامة النساء، واللطيف جداً معهن، يبدو أنه يعاني من خلفيات ثقافية عنصرية للغاية يحاول إخفاءها في هذا اللطف المتسامي…

فتاريخه منذ كان وزيراً للداخلية، وتصريحاته التي اتهمت أبناء العرب المسلمين “بالحثالة” لم تتخطاها الذاكرة بعد…

فما من غرابة اليوم من حديثه الذي لايخلو من تهديد : “فرنسا لاتقبل أن يتواجد عليها نساء مهدورات الكرامة ..”

ومامن غرابة في أن نسمعه وقد سن قانوناً يواجه به المنقبات ويضيق عليهن، باسم الحرص على كرامة أنثوية هو أدرى بها، والدفاع عن حرية نسائية هو أحرص عليها…

ولكن في حال سن مثل هذا القانون…ترى كيف ستواجه المسلمات هذا الأمر؟؟؟

 نحن ندين بدين عظيم، ومن عظمة هذا الدين قدرته على أن يمنحنا مساحات للتحرك في كل مسألة فيها خلاف، فنحن نعتبر أن اختلاف العلماء رحمة بالعباد.

ولعل النقاب أو البرقع أو غطاء الوجه، هو واحد من القضايا الكثيرة التي اختلف فيها مما يعني أن مساحتها قد اتسعت لتحركاتنا.

هكذا ينبغي أن ننظر الى القضايا، لكي نبتعد عن التأزيم، والاستعداء في أوقات الشدة والضعف العام للأمة.

 والحجاب فُرض للستر، وهو مواصفات معينة، وليس شكلاً ثابتاً، ولا قالباً محدداً ولا لوناً موحداً، من هنا كان الأفضل هو حسن التعاطي مع القانون- في حال تم وضعه- .

وستكون الاستجابة الإيجابية لقانون منع البرقع، والاكتفاء بالحجاب واعتبار ذلك من الضرورات - لمن يعتقد بوجوب غطاء الوجه من المنقبات- من الحكمة ودفع الضرر.

 

وبغض النظر عن ساركوزي وتوجهاته وسلوكه وأصوله…ولكي نكون في موقف نزيه وعادل أود طرح تساؤل هنا: لماذا عندما يتعلق الأمر بقضية ظاهرية أو شكلية  كاللباس مثلاً تكون ردة فعلنا قاسية لامرونة فيها ..حتى وإن كان في الأمر سعة.

ولكن عندما يتعلق الأمر بأمور أخرى قد تكون أشد خطورة من الناحية الشرعية  تكون ردود أفعالنا أقل تصلباً..

لماذا استطاع الكثير من المسلمين الذين يعيشون في الغرب أن يتعاملوا  مع قضية الربا - مثلا – بمرونة وتفهم واعتبروا تعاملهم ذاك من الضرورات، بينما صعب عليهم إبداء نفس المرونة في قضية اللباس أو أية أمور أخرى تتعلق بالمظهر؟!

إن وجود مساحة من الحريات في الغرب، لاينبغي أن تجعلنا أشد نزعة للتأزيم…الأفضل أن تجعلنا أكثر مرونة وقدرة على التنقل ضمن المباح…

“النقاب” أو “غطاء الوجه”، دارت حوله الكثير من التساؤلات من الناحية الأمنية، في العديد من الدول الإسلامية والعربية، وكان هناك خطة في دولة الكويت لمنعه أثناء قيادة السيارة، ثم ونتيجة لعادات البعض وقناعات البعض الآخر تم التراجع عن ذلك.

فهذه القضية إذاً مطروحة في بعض الدول العربية، ولاينبغي تضخيم الأمور عندما تطرح في بعض الدول الغربية!؟

نقلت إحدى المواقع الالكترونية عن إحدى المنقبات قولها: نحرق أجسامنا ولا ننزع البرقع…!!!

ولست أدري إن كان يصح مثل هذا القول الذي يُخشى أن يتحول الى فعل، تقوم به إحداهن تحت تأثير التحدي وردود الأفعال الغاضبة، التي كثيراً ما تجمد فعل العقل..!

ثم نجد من يبرر ذلك الفعل ويبيحه، لأنه يشكل دفاعاً عن العرض والشرف، ثم تسمى من قامت به شهيدة!!

في تلك المجتمعات، وفي هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها الأمة، من الحكمة  اللجوء الى حجاب لايشكل لفتاً للنظر لأننا قد نستطيع الدفاع عن الشكل  “الوسطي” من الحجاب، كما نستطيع أن نسد عليهم باب الهجوم الشرس، وقد نجد أصداءاً مؤيدة..

ولكن مع تغطية الجسم كاملاً، قد نفتح على أنفسنا بابا واسعا من الحجج الأمنية والثقافية والدينية  التي سيستعد الطرف الآخر ليهاجمنا بها.

أحترم كل فعل قام على قناعة واعتقاد، وإيمان، ولكنني أحترم أكثر فعلاً قام على مبدأ: “يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا”.

ابتهال قدور