ما كنت أعلم أني أمسك بكتاب لمفكر مصنف “مشكوك في أمره” حين كنت أقرأ بٍنَهم بالغ لأحد المفكرين المجددين !!

لكنني كنت على يقين من أنني عشت في ظلال أفكاره حالة نادرة من الاندماج، والإثارة الفكرية، التي تتفتق بفعلها الكثير من براعم أفكار كانت كامنة، وتتفتح على شكل تساؤلات جادة تبحث عن إجابات، وتحفز على البحث والتأمل الذي يقربنا أكثر من حقائق هذا الكون فيرتقي بإنسانيتنا، ويجعلنا نقترب أكثر من روح القرآن العظيم.

مضى ما يقارب العقدين من الزمن على تلك النصيحة التي بادرني بها أحدهم، إلا أن صداها مازال يثير في نفسي ألماً وأسفاً ومرارة: “لا تقرئي لهذا الكاتب فهو مشكوك في أمره”..!!

 

فكيف يكون بإمكان البعض أن يصنف بهذه القسوة وهذه الإقصائية، باحثاً ومفكراً، ومبدعاً، كرث حياته ووقته وجهده عاكفاً باحثاً عن مخارج لأمة منهكة!

كيف؟؟ ولو افترضنا أنه مجتهد مخطئ في كل ما جاء به، لكان مستحقاً أجراً، و لكان من حقنا احترام اجتهاده والإطلاع عليه!؟

وبعيداً عن مفكرنا ذاك، فإن الكثير من الناصحين يواصلون تقديم مثل تلك النصيحة الرعناء، لعزل كل مجتهد، وإقصائه وإصدار الأحكام عليه…معتقدين أنهم يحسنون صنعا!

 

نصيحة تكرس بقاءنا محشورين في عنق الزجاجة، فلا نحن قادرين على أن نرجع إلى تاريخنا المزدهر لأنه من المستحيلات، ولا نحن اجتهدنا فأبصرنا طريق الخروج بتقنيات العصر وفقهه وآلياته!

 

ولعلي أستطيع أن أتفهم الدوافع في أن يرفض الإسلامي أفكار علماني، أو أن يهاجمها، أو أن يشكك في غايات ودوافع قائلها، خاصة إذا كانت هذه الأفكار مما يفسد على أبناء الأمة أخلاقهم ومصالحهم ودينهم، لكنه من الصعب جداً تفهم أو تقبل إقصاء مفكرين مسلمين مخلصين، ينطلقون من توجيهات قرآنية، فيقومون على هدي تلك التوجيهات بالبحث والتنقيب عن إضاءات ترشدنا للخروج…

 

فكيف نحاصر مفكرين يلحون، على ضرورة إعلاء مكانة العقل، الذي كرّمه الله وجعله أبرز ما ميز الإنسان وسما به… بعيداً عن الخرافة الوضيعة التي تحقر من مكانة هذا العقل وتستخف به، وتعطل مهامه وتجمدها.

ويصرون على أهمية العلم، كل العلم، هذا الذي أضحى سلاحاً فتاكاً حاربتنا به الأقوام الأخرى فكسرت به شوكتنا، وهمشتنا، لكي نصبح أبعد ما نكون عن مسار إعمار الأرض..

 أليس ابتعادنا عن العلوم، وعن فقهنا لأولويات العصر ومتطلباته، هو سبب مهم أحالنا إلى أمة يرثى لها؟ وانتقائية اتبعناها في هذا الشأن- حين حصرنا العلم على رحابته وتنوعه في العلوم الشرعية، والإيمانيات- أليس قضية أخرى ساهمت في خنق العلوم والقعود عن تطويرها؟!

 

وكيف نتهجم على مفكرين يدعوننا إلى السير في الأرض، انطلاقا من توجيهات الوحي العظيم، ويحثوننا على خوض مضمار الحياة لكي نتمكن من الإمساك بقوانين وسنن كونية تحكم الآفاق والأنفس والتاريخ، فنحقق أحدى أهم غايات وجودنا على هذه الأرض ونكون عند حسن ظن الله بنا حين قال جل وعلا لملائكته: “إني أعلم ما لا تعلمون” يوم خُلق آدم وسألت الملائكة: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء”.

فالإمساك بالسنن والقوانين الكونية، على مستوى الآفاق والأنفس يجدر بها أن تتحول إلى علم يولّد لنا الحلول لرد الإفساد في الأرض، وتحقيق العدالة.

 

والعجيب أن هذا الهجوم القاسي يأتي بينما نحن نُردّد ونكرر باستمرار أن انطلاقة الوحي المرشدة كانت “اقرأ”!

إلاّ أن واقع الحال يقول بأن “اقرأ” لا تأخذ من حيز وعينا إلا القليل، بل القليل جداً مما لا يسد رمق أمة تخلفت عن ركب الأمم الأخرى عقوداً طويلة من الزمن…

لأن أقل متطلبات “اقرأ” هو حفظ كرامة المفكرين والمجتهدين والنوابغ والمجددين الذين يلفتون أنظارنا إلى البؤر الجرثومية القاتلة للنهوض الحضاري، ولا يكتفون بدغدغة مشاعرنا، وتوجيهنا ذلك التوجيه السطحي إلى التاريخ، ننقل عنه حرفياً بدلا من أن نأخذ منه روحه ورحيقه المتمثل في التفاعل المبدع مع الواقع.

 

ومن متطلبات “اقرأ” أيضاً أن لا يتم بخس المفكر حقه، بتعميم زلة أو خطأ أو سهو على كل مجهوده العلمي، أو مسيرته السلوكية…

كذلك من متطلباتها أن لا يسارع المتهجم إلى كيل التهم والأحكام، بيسر واستهانة هي غريبة عن ديننا، بعد أن ينصب من نفسه إماماً للمسلمين!!

فكيف يصح لدينا أن نتهم مفكراً بالكفر أو الردة أو الزندقة بدون أن نُشفّع في حكمنا ذاك التزامه، و صيامه و قيامه، وزهده، وحرصه على مصلحة الأمة، وحفظه لكتاب الله، ووفاءه لآياته الكريمة، و إخلاصه للأحاديث النبوية الشريفة، و ولاءه للسيرة العطرة للرسول (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم)!؟

ألا نلتفت إلى أن ذلك عند الله عظيم!؟

 

نحن هنا نبتعد عن أمر إلهي عظيم : “اقرأ”، فالقراءة بمعناها الواسع الشامل تتطلب الموضوعية والإنصاف، والفكر التكفيري الذي ينتشر بين ظهرانينا لا يلبي ولا يطيع ذلك الأمر العظيم!

والطريقة التي يتم بناءاً عليها الحكم على هؤلاء المفكرين، هي طريقة ظالمة في كثير من الأحيان، غير دقيقة ولا مبصرة… تزيد في استنزاف الأمة ثقافياً.

ولعل أكثرها سوءاً هي حين يقوم المتهجم باقتطاع جمل وعبارات معينة، ثم يحملها ما لا تحتمله، ويؤولها حسب رؤيته وقناعته ومذهبه واعتقاداته، ثم يصدر عليها حكمه يُتبعه بحكم على صاحبها!

وهذا الاقتطاع والاجتزاء هو اقتلاع للفكرة من محيطها العام، وعزل لها عن مقصدها الأساسي، وهي طريقة تذهب بالمعنى الكلي، وتدمر المقصد والهدف الحقيقي، في سلوك عدائي يتصيد بسوء نية، ويبتعد عن الموضوعية والإنصاف مع سابق الإصرار والترصد!

إن الطريقة المثلى لتقييم أي مفكر، لها أسس وقواعد، ومن بين تلك الأسس، أن نعمد إلى قراءة خطه العام، ومراجعة كل ما كتب أو معظمه، لكي نستطيع أن نفهم مجمل توجهه، وأن لا نأخذ موقفاً محتداً رافضاً من ذلك التوجه لمجرد أننا درجنا على اعتباره توجها خاطئاً، أو لكوننا نرى فيه مخالفة لما نحمل من تصورات.

وإذا ما أردنا محاكمته فليس من حقنا أن نحاسبه وفقاً لرؤيتنا الخاصة أو وفقاً لمذهب معين نحن مقتنعون به، أو لفكر وتوجه نرتاح إليه.

كما أنه ليس من حقنا أن نصدر حكماً عاماً ينسف كل إنجازاته، إذا ما بدر منه خطأ أو خلل أو هفوة في جزئية أو حيثية، ملتمسين له بها الأعذار وواضعين الكثير من الاحتمالات التي تحمل روح التسامح والتجاوز، خاصة إذا ما علمنا من خلال قراءتنا لتوجهه العام، أو من خلال أقواله وتصريحاته الخاصة أو اعترافاته المباشرة  أنه أساء التعبير، أو التقدير.       

 

إن رفض الآخر بكليته لأنه خالفنا في حيثية، أو في توجه أو في تفسير أو في تحليل، أو لأنه أخطأ في قضية، هو توجه يحرمنا الكثير من خيره، وبهذا الحرمان نكون قد فقدنا حلقة في سلسلة يفترض أنها تكتمل بالتنوع والتعدد.

 

إن الانطلاق من قاعدة أن كل منا يملك جزءاً من الحقيقة، فيه احترام لإنسانيتنا وفيه تطلع لاكتشاف ما يجود به الآخر، فالآخر هو كيان بتركيبة تميزه، وثقافة تجعله مختلفاً، وبرؤية من زاوية غير زاويتنا.

كما أنه بإمكانيات غير إمكانياتنا، وقدرات تزيد أو تنقص عن قدراتنا، ومستوى ملاحظة لا يتساوى حتماً مع مستوى ملاحظتنا.

هذا عدا عن مستوى تحصيله العلمي، واختلاف مجالاته، وعدا عن نوعية من يلتقي بهم من الناس ويتأثر بهم..

كل هذه الخلطة من المدخلات التي لا يتطابق فيها اثنان، سينتج عنها لا محالة مخرجات مختلفة، يجمل بنا أن نصنفها مكاسب وعوامل ثراء لمجتمعاتنا، عوضاً عن التعامل معها كأسباب لخلق الخلاف وصنع العداوات، وتوليد البغضاء.

 

وإذا كان البحث عن حلول، واجب كل مخلص في حالات “الازدهار الحضاري” فإن هذا الواجب يصبح أشد إلحاحاً في حالات الانهيار الحضاري، وينبغي أن تتهيأ له ظروف تدعم مسيرته، من تلك الظروف أن يرفع الحجر والتخويف والتهديد عن المفكر المخلص، وأن تمنح الأفكار حصانة تجعلها قابلة للخروج إلى النور، ولا مانع بعد ذلك من تنقيحها وغربلتها بما يتلاءم مع احتياجات المرحلة، ومتطلبات المصلحة، مادامت هذه الأفكار تراعي الوحي وتحترم العقل وتستخدم الحواس.

 

وليكن لدينا ولو بعض من يقين بأن الأفكار تتدافع، وأن البقاء لم يكن يوماً للأكثر تشدداً ولا للأكثر تحوطاً، ولا للأكثر أقدمية، إنما البقاء للأنفع والأصلح وعندما نتحدث عن الأصلح والأنفع، فإنما نأخذ بعين الاعتبار المكان والزمان والأحوال ومدى تفاعل الأفكار مع هذه الاعتبارات…”وأما الزبد فيذهب جفاءاً و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

وانطلاقا من هذه القاعدة الإلهية الرائعة نستطيع الحكم على كل من يتخوف من الفكر المجدد، ويطلق على أصحابه النعوت المنفرة، ويجعلهم من المشكوك فيهم، بأنه إنما يتمترس ضعفاً وخوفاً وجموداً، وما ذاك إلا لنقص في حجته أو علمه، أو فهمه لفقه الواقع، ومتطلبات المرحلة، أو لقلة حيلته الحركية الحضارية، أو لعدم إدراكه لروح هذا الدين المتين الذي يتطلع إلى التجديد الذي يحدثه الإنسان على رأس كل قرن، ولا يحرص كثيراً على ما هو قديم ما لم يكن فيه النفع لبني الإنسان…

 

 

                                                                     

ابتهال قدور