مدينة “بنغازي” الليبية الأبيّة، تحدث صدى في نفسي لايحدثه صدى أية مدينة أخرى، هي مدينة احتوتني لخمس سنوات من عمري، وكان علي أن أحتوي كل تناقضاتها في تبادلية عفوية اضطرارية.تناقضات قاسية لكنها كانت مفيدة، إذ عجلت في دفع عجلة وعيي ونضجي، حين دفعت بكل علامات الاستفهام للاتنتصاب أمامي في تحد مرير: لماذا، من، متى، وكيف؟؟

مدينة جميلة يجدر بها أن تكون شاطئاً للحب والتأمل، لو أن يداً مُحبة امتدت إليها ببعض لمسات من حنان وذوق، أول ما يأسرك فيها كرم أهلها، وطيبتهم، ومودتهم، وهو أمر يخفف كثيراً من حدة الظلم والقهر المنتشر من حولك…إلا أنه في ذات الوقت يجعلك تهمس لنفسك، بعفوية متكررة مُلحة: هذا الشعب لايستحق كل هذا الظلم الواقع عليه…فلماذا؟؟؟

خمسة أعوام مضت، كل يوم فيها كان يثري قلبي بمزيد من الحب لهذا الشعب، ويثقل كاهلي بمزيد من الكراهية لهذا النظام.حيثما توجهت ترى آثاراً خلّفها بؤس نظام قمعي، وكيفما وليت وجهك تشهد لعنة الغرور وتضخم الذات لفرد اعتقد بأنه جدير بأن يكون الواحد، الحاكم، المسيطر، المهيمن!فألجم الناس، وعلّمهم فنون الصمت خوفاً وفزعاً ورعباً، وعلّمهم أن يوهموا من يشهد صمتهم ذاك بأنه صمت الرضا والقبول.. يالها من قدرة!! كنت أتساءل بصمت يشبه صمتهم: كيف وصلت الأمور بهذا الشعب إلى هنا، فما كان بمقدوري السؤال، وحين حاولت أن أسأل في إحدى المرات، تجاهل من سألتُه سؤالي، وخاض في حديث آخر…لكنني لم أغادر هذا البلد الطيب إلاّ وقد تعلمت أن التخويف سياسة، وأنه منهجية، وأنه خطة مبرمجة تتم صياغتها بحضور “إبليس”. في إحدى صباحات العام 1981…في جامعة ” قاريونس”… في مدينة “بنغازي”.. جرى أمر مرعب، فبعد أن دخل كل الموظفين والطلبة إلى الجامعة، وهي جامعة ضخمة، بعدد كبير من الموظفين، غلّقت أبواب الجامعة الرئيسية منعاً للخروج، وخرج مناد من اللجان الثورية ونادى بضرورة التوجه إلى مدرج كلية القانون، وتوجه الجميع بخوف صامت إلى هناك، وامتلأ المدرج ولا أحد يعلم ماينتظره، إنه المجهول الذي لا راد له، ولا مهرب منه… امتلأ المدرج إذاً بأعداد هائلة من الموظفين والموظفات والطلبة والطالبات، الكل جلس يترقب المفاجأة، وإذا بهم، بعد طول انتظار أمام شابين غطى رأسيهما كيسين أسودين…سُحبا بقسوة، و نصبت لهما مشنقة، وتم إعدامهما على الملأ…بعد أن نُسبت لهما تهمة التآمرعلى النظام. تلك كانت المفاجأة !فتيات كثيرات فقدن الوعي تأثراً بهول الموقف، لكن من كانت تصرخ من الرعب كانت تنال نصيبها من الضرب من قبل اللجان الثورية…ولم يُسمح لأحد بالمغادرة حتى انتهى المشهد المؤلم بأكمله، وكان يجب أن يكون الهتاف اشتفاءاً وابتهاجاً هو التعبير المناسب… هتاف يحيي الفاتح العظيم، وإنجازاته وعدله وعطاءاته…لست أعلم بأية نفسيات وأية معنويات خرج الحضور، ولم يتح لي أن أتابع آثار هذه المشاهدة على حياتهم، ولكن ما أعرفه أن زوجي الذي شهد الحادثة ظل لمدة ستة أشهر ضحية أرق وكوابيس لم تفارقه، ثم قرر مغادرة البلد وغادرنا فلم نفكر في عودة…إحدى زميلاتي في تلك الجامعة المشؤومة، لازمها بكاء متواصل، وذهبت لزيارتها، وعندما احتضنتها أجهشت وقالت: “ضربني الحيوان وقال لي أنني يجب أن أزغرد من الفرح بدلا من أن أصرخ من الخوف” …حتى التعبير الوجداني يريدون وضعه في قوالب تناسبهم، وبما أنه يصعب أن تتطرف في إبداء مشاعرك وردود أفعالك، نفاقاً وتمثيلاً إلى تلك الدرجة…كان الصمت أفضل وأسلم.وظل هذا الشعب الوديع الكريم صامتاً يستمع إلى الخطب الطويلة لقائده، ويتغنى بإنجازاته، وإبداعاته، ويتدارس الكتاب الأخضر ويحفظ عن ظهر قلب معظم مواده القيمة، ويحمد الله أن رزقه قائدا هو فيلسوف ومنظّر وسياسي وقومي ومخلص…!لكن قائلا قد يقول، إن من شهد مشهد الإعدام في الجامعة مجموعة محدودة من الناس، ربما كانت مقصودة بعينها لغاية ما، أستدرك وأضيف مشهداً آخر من مشاهد سياسة التخويف الممنهج: في شهر رمضان من نفس العام حرص التلفزيون الليبي الرسمي- ولم يكن حينها تلفزيون غيره- على نقل مشاهد إعدام حية على الهواء مباشرة، لشباب وشيوخ، وكان التوقيت قبيل أذان المغرب، أي في الوقت الذي تكون فيه العائلة مجتمعة تنتظر مدفع الإفطار…قضى الناس الطيبون في بنغازي رمضانا غريب الملامح تلك السنة، وكانت لي جارة طيبة أزورها في سهرات رمضان فأجد طعامهم نقل إلى المطبخ كما هو، وتقسم لي بأنهم لم يستطيعوا أن يأكلوا إلاَ ما يسد الرمق لأن النفس لا تشتهي.كان على الجميع، من خرج إلى عمله، أو من قرّ في بيته أن يرى وأن يشاهد مايمكن أن يحل به فيما لو فكر، أو سولت له نفسه، أو مرّ خاطر بباله…أن يقترب من ذات القائد الفاتح الثوري المناضل!وفُقد الأمل في حراك حتى ظننا أن لاحياة لشعب شلّ الخوف أطرافه، وجمد دماءه ولكن…هاهو الشعب الأبي في بنغازي ينتفض ويعلن أن تلك المنهجية المقيتة قد انتهت صلاحيتها وفسدت، وصار من الواجب التخلص منها ومن أصحابها.في خضم هذه الثورات لم يعد من الصعب ملاحظة أن القيد الأساسي والأكثر إعاقة هو القيد الذاتي الذي يكبلنا، وما أن نتخلص منه حتى نشعر برحابة الفضاء وسعة الكون…وإذا كان الأشقاء في مصر وتونس قد استطاعوا فأحفاد “عمرالمختار” يستطيعون.ولنسترجع: عندما تغير الخوف المغروس في أنفس سحرة فرعون تغير سلوكهم، وآمنوا فوراً برب موسى…مع أن فرعون هو هو لم يتغير، وظلمه هو هو لم يتغير وبطشه كذلك!!! إن ما بأنفسنا هو مايحدد مواقفنا، لذلك كانت بداية كل أمر عظيم هي تغيير ما بأنفسنا، ولذلك كانت مراهنات الطغاة تتم على “غول كبير” يسكنونه داخل أنفسنا، ليُقيدنا ويكبلنا ويوهمنا أنه ما من مخرج!ممتنة وفخورة بأبناء أمتي، بالأمس أعلنوا انهيار سياسة” التجويع” التي انتهجها زين العابدين، واليوم يعلنون انهيار سياسة “التخويف” التي انتهجها مبتدع الجماهيرية…ولكنني سعيدة لكون النبلاء من أبناء “بنغازي” هم أول الثائرين…