النظرة الأولى لأي شيء ، كثيرا ماتحمل الى ساحة الشعور فيضا من الأحاسيس والمعاني ، خاصة إذا كان هذا الشيء يتوافق مع حاجة حسية أو معنوية لدينا .
وأنت حين نظرت الى الكعبة الشريفة أول مرة ، لابد وأنك استشعرت الكثير من الأحاسيس التي لاتتكرر .
إلا أنني وأنا أقف وألقي النظرة الولى باتجاه أطهر بقعة على وجه الأرض ، أدركت أن الحركة حياة والتوقف عنها موت ..
ورأيت صورة حية لما يمكن أن تكون عليه الحياة السليمة : حركة متواصلة ، مستمرة ، لاتتوقف إلا لتبدأ .
وسط هذا الطوفان الرائع من الحيوية ، أيقنت أنه لن تقوم قائمة لمن تسول له نفسه التوقف ولو للحظات ، لأنه لوحدث وتوقف أحد عن الحركة لداسته الأقدام وانتهى !!
وحاولت أن أجري عملية على كل كيان ، يرنو ويتطلع الى القوة ، والعظمة فرأيت أن العضو الأكثر حركة هو العضو الأكثر قوة ومرونة وتحملا للصدمات ، إذ كلما ازدادت حركة أعضائنا ، كلما ازددنا قوة ، وكلما تحسن مستوى الأداء لدينا .
وتوسعت قليلا لأرى أن الفرد الأكثر حركة هو الفرد الأقدر على تحقيق قدر أكبرمن من الفائدة لمجتمعه .
ثم ازددت توسعا لأرى أن هذه الحقيقة ربما كانت أكثر وضوحاً على مستوى الأمم ..
ثم أحببت أن أطرق المجال الذي يثير عند البعض منا الكثير من المخاوف والحذر ..
إنه العقل الذي كثيرا مانرفض أن نخضعه لنفس المنطق الذي ينطبق على سلامة الحركة الإنسانية أو الكونية ..
إلا أنه في الحقيقة ماكان ليشذ بمقومات استمراره عن باقي الأعضاء ، سواء أعضاء الجسد الواحد أو الأمة الواحدة أو العالم الواحد .
وهو بذلك يخضع لنفس النظام ويطرأ علي ما يطرأ على باقي الكيانات التي تؤدي مهاما أساسية .
فهو إن تعود نمط تفكير واحد صعب عليه طرق أنماط أخرى .
وإن فرض عليه النظر من جانب واحد ، ضاق ذرعاً بالنظر من عدة جوانب وعدة زوايا .
وإن وضع في قالب معين ضعف وأصابه السقم ، وتحول الى عبء على الكيان البشري وعاش متطفلا على عقول وأفكار الآخرين .
وهو كغيره من الأعضاء يمتلك قدرة عالية لن تظهر وتثمر الا بالمران المستمروما من مران للعقل أفضل من التفكير .
التفكير الذي دعا اليه القرآن ” أولم يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض ..”
“إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ” .فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ”
هذا التفكير الذي يعطي حرية الحركة للعقل حتى يتقوى ، ويمنحه الأجواء السليمة لتنقيته وحمايته من طغيان الأمزجة والأهواء .
هكذا شاء الله لأطهر الأرض أن تظل حاملة لمقومات الحياة ، وهكذا شاءها أن تكون المثل لنظام سير الحياة ..
فالحركة المتناسقة ، والحركة الموجهة ، والمدروسة على جميع الأصعدة تعطي الحياة سموها ورقيها .
فلنحاول المساهمة في تشجيع هذه النوعية من التحركات ولنحاول أيضا أن نهيء لها الحرية اللازمة لكي تستطيع أن تعلو وتسمو .