في معرض التعقيب على مقال الكاتب “غازي التوبة”:” عمرو خالد وبرنامج صناع الحياة هل يصنعان نهضة؟” المنشور في مجلة النور العدد 237.

عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها . فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن .فقال قائل : يارسول الله وماالوهن ؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت” أخرجه أبو داوود
ويلامس هذا الحديث الشريف جرحا نعايشه منذ عصور طويلة، إذ تعانى هذه الأمة من قلة في فعالياتها على مختلف الأصعدة سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات .
مما جعل الأمم الأخرى تتهمها بأنها تشكل عالة على الحضارات الماضية والمعاصرة .
و تعاني أمتنا من أمراض متفاقمة أوجز الرسول محمد عليه الصلاة والسلام أسبابها “بذهاب العلم”!
فعن زياد بن لبيد أنه قال :” ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال: وذاك عند ذهاب العلم. قلنا يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرؤه أبناءنا وأبناؤنا يقرؤونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال : ثكلتك أمك يبن لبيد إن كنت أراك من أفقه رجل بالمدينة . أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء؟ ” *
وعندما نتحدث عن ذهاب العلم الذي يتسبب في تخلف أمه فمن المهم أن لانحصر العلم في جانب معين كما يحلو للبعض أن يفعل ، لأن المقصود بالعلم هو كل ما يمكن أن يسمى عامل نهوض أو تخلف على المستوى الحضاري ، بدءا من صغائر الأمور على المستوى الفردي مرورا بمختلف أنواع العلوم، وصولا إلى الإمساك بالمفاتيح الكونية التي تكشف لنا القوانين والسنن الإلهية المسيرة لهذا الإنسان الذي اختاره الله ليكون خليفته على الأرض ..
وأدى ذهاب العلم عن هذه الأمة، وعدم الاستفادة الكافية مما بين أيديها ، إلى استفحال أمراضها وتكاثرها بشكل سرطاني أثر بشكل مميت على معظم أسباب الفعاليات المؤدية إلى نهضة .
ويجدر بنا أن نتذكر بأن الأمراض التي أصيبت بها هذه الأمة ، ليست قدرا محتوما ، ولا هي علة مستديمة ستلازمها إلى حين فناء الأرض ومن عليها ..
كما علينا أن نتذكر بأن هذه الأمراض ليست من الأمراض المستعصية التي تقضي على الأمم وتمحوها من الوجود وان كانت تتركها في حالة غيبوبة تشل قدراتها وتجمدها .
كثير من الأمم استطاعت النهوض بعد أن فقدت مقومات بقائها ، عندما أبصرت طريق البداية الذي يشكل انطلاقتها ، والتزمت بمسؤولية السير عليه .
ومن نتائج ذهاب العلم هو ما نعانيه من قصور في تشخيص أمراض هذه الأمة، إذ أننا إلى الآن لم ندرك - على المستوى العام- ضرورة الإيمان بأمرين شديدي الأهمية يخدمان مهمة التشخيص الجاد .
الأمر الأول هو الإيمان بأن لكل داء دواء ، وبأنه مطلوب منا أن نتداوى بأساليب علمية عند إصابتنا بأي من الأمراض .
الأمر الثاني هو الإيمان بأن هذه الأمراض لا تنحصر قطعا في ما هو جسماني لدى الإنسان ، إنما تمتد لتشمل ما هو نفسي وفكري ، وبالتالي سلوكي ، يتناول سلوك الإنسان مع من وما حوله .
أي أن الإنسان إذا ما اعتقد أنه يعاني من مرض أو عجز نفساني أو فكري يشل قدرته على العطاء والتفاعل ، ثم اقتنع بأن هذه الأمراض يوجد لها علاج ، تماما كالأمراض الجسمانية ، فانه بذلك يقول صراحة بأن سلوكه الذي يشوبه التقصير أو الخطأ أو العجز- تجاه نفسه أو تجاه مجتمعه - قابل للتغير بشكل جذري . وبهذا يكون قد وضع حجر الأساس الذي يسبق البحث الجاد عن علاج لأمراض هذه الأمة.
وبناء على ذلك ، علينا أن نؤمن أنه من الممكن لأفكارنا أن تصاب بالمرض بينما نظنها بخير، وانه من الممكن لمفاهيمنا أن تصاب بالسقم بينما نعتقد أنها معافاة ، وأنه من الممكن لسلوكنا أن يسير بما لا يحقق ما فيه صالحنا الشخصي أو العام بينما نرى عكس ذلك . فيما قد تكون هذه الأمور وغيرها هي ما تمنع تحركنا نحو إصلاح يحقق نهضة .
إنه من البديهي الإشادة بأهمية مرحلة التشخيص التي تمهد بدورها للعلاج السليم ، خاصة إذا ما تمت مترافقة مع هاتين القناعتين .
المجتمع إذا يحتاج إلى من يشخص تشخيصا سليما ، ويحتاج إلى من يقدم خطة علاجية محكمة سليمة ذات أهداف قريبة وبعيدة الأجل ..
وهتين المهمتين ليستا بالأمر الهين فهما تتناولان الإنسان وكل ما يحيط به من تعقيدات ، وصعوبات وعندما نتدارس الحركات النهضوية عبر التاريخ ، ندرك مدى صعوبة المهمة ، ونستوعب حجم وأهمية العامل الزمني المستغرق و الذي قد يمتد إلى عقود طويلة .
ولكي تكتمل عوامل إنجاح أية حركة نهضوية أو تغييريه أو إصلاحية ، لابد من تضافر جهود مؤسسات المجتمع كافة ، مما يعني وجود إحساس مركز بالحاجة إلى تغيير الواقع والنهوض به لدى كل فئات المجتمع ، أو السواد الأعظم منها لأنها حركة أكبر وأعظم من أن يقوم بها شخص بمفرده .
وعلينا أن نراجع التاريخ لندرك أن” الحركات النهضوية أو التغييرية التي قامت في العالم الإسلامي منذ عصر شيخ الإسلام ابن تيميه بل منذ عصر الإمام الغزالي إلى عصرنا هذا لم يكتب لها النجاح إلا في بعض التغييرات السياسية كالتي حققتها دولة الموحدين في حدود قيامها بالشمال الأفريقي والأندلس …”( راجع مقدمة مالك بن نبي كتاب حتى يغيروا ما بأنفسهم لجودت سعيد ص 19)
هذا الكلام يشمل الحركات التي قامت على أساس اجتهادات فردية أو على جهود منظمة أو شبه تنظيمات .!
وإذا كانت هذه الحركات التي قامت في تلك العصور لم تحرز التغيير المطلوب ولم ترتقي بنا إلى سنم الحضارة المأمول فان هذا لا يخرجها من دائرة الفعل البناء والجهد المخلص ، ولا يمنع من تصنيفها ضمن المساهمات الحضارية الراقية ذات الآثار البناءة على المدى القريب والبعيد. فهي على الأقل “ظلت تكون الترسانة الفكرية التي لازالت تمد الحركات الإصلاحية بالأفكار النموذجية إلى اليوم” (نفس المرجع السابق) .
أما ما يقوم به المخلصون من أبناء هذه الأمة اليوم من اجتهادات هادفة إلى الإصلاح على المستوى العقائدي ، والسلوكي ، والفكري ، فلا يجمل بنا بأي حال من الأحوال أن نقف منها موقف المحبط
أو أن نحط من أهميتها وقيمتها ، كما لا يجمل بنا أن ننكر الأثر الكبير الذي تتركه على نفسيات شبابنا ، والدور العظيم الذي تلعبه في الحفاظ على الكثير من القيم ، والإبقاء على منظومة الأخلاق ، والتمسك بالمبادئ السامية المستمدة من ديننا الحنيف .
وإننا إذا كنا نرى أنها لا ترقى لأن تكون حركات نهضوية ، فعلينا أن نحيي الهمة العالية ، والطموح الكبير للقائمين بها ، سواء كان المعني هو الداعية” عمر خالد” أو من سواه من العاملين في حقل الإصلاح .
فالعمل على إحداث نهضة ليس من الأمور الهينة في هذه الظروف القاسية التي تمر بها أمتنا ، كما أنها لم تكن يوما أمرا هينا كما سبق وبينت ، ولكنها قد تصبح كذلك إذا ما تكاتفنا جميعا في إنجاحها وإصلاح ما فيها من نواقص عن طريق تقديم النصح ومد يد العون للقائمين عليها والاتفاق على جعلها حركة نهضوية ، واتخاذها الخطوة الأولى والانطلاقة الى مشوار الألف ميل، من خلال توسيعها ونشرها وسد ما فيها من ثغرات ، فرب عمل يبدأ صغيرا لا نعيره اهتماما ، يكون حاملا لبذور النجاح والتفوق ! وما يدريك لعله يزكى ؟! أليس هذا ما عاتب به الله رسوله الكريم حينما أبدى بعض الاستهانة بما لا يجب أن يستهان به( ان صح التعبير) ! أولم يقل الله تعالى في القرآن الكريم ، “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى” ؟ إلا يدلنا هذا إلى أنه علينا الفعل والبذل والاجتهاد مع القناعة بأن الله هو الذي يسدد حقيقة وهو الذي يمن علينا بنصره؟
إن ما تقدمه القنوات الفضائية من فساد وعري ، وما يستعرضه الشارع من تحلل ، وما يبديه البيت من إهمال والمدرسة من تقصير ، عوامل لا تؤدي إلا دور المدمر لمنظومة الفرد الأخلاقية و القيمية . وإننا إذا ما تركنا الأمور تسير لشأنها بدون أن نقدم شيئا اللهم إلا إبداء الاستياء اللفظي والقلبي ، فان هذه الأمور ستسير طبقا لرغبات ومخططات من يقف وراءها ، لابد لهذه التيارات المهاجمة من دفاعات تكون من نفس المستوى وتستخدم ذات الأدوات ، لكي نحدث نوعا من التوازن في القوى ، ونمنع حدوث الاختلال الكامل الذي سنسأل عنه جميعا .
إن هؤلاء المصلحين يقومون بواجبات ثقيلة نيابة عنا ، بينما نسترخي نحن ولا يعذبنا ضميرنا أمام هذا الاسترخاء .
وهم يحملون عنا أثقالا، ومسؤوليات كبيرة ، بينما نرتاح ، يجاهدون بأوقاتهم ، وصحتهم ، وأفكارهم ، يتعرضون لمضايقات شديدة ، يضعون أنفسهم في المقدمة ، ويصبحون مستهدفين لأنهم يذودون عن قيم وأخلاق ودين هذه الأمة ، ويتألمون لوضع الشباب فيها ، محاولين البحث عن أفضل سبل العلاج غير مكترثين بما يمكن أن يجر ذلك عليهم من مشاكل وإزعاج.
انهم مجاهدون يرفعون رايات هذا الدين عاليا ، وليس المطلوب منا أبدا أن نحمل لهم رسالة إحباط أو تهمة تقصير ، مهما كان الدافع وراء ذلك .
أما إن كان المقصود هو النصح والتوجيه فإنني أرى أن يتم ذلك بشكل ودي من خلال اتصال مباشر بالمعني ، وعدم التشهير بمواطن النقص التي قد لا يلمحها إلا متخصص ولا يلحظها إلا متعمق .
إننا بحاجة بل في أمس الحاجة إلى رص صفوفنا وتكاتفنا ، وإيماننا بأهمية العمل الجماعي ، وأهمية الإحساس العميق بروح الفريق الواحد ، الذي يقدم كل فرد فيه أفضل ما عنده ويكمل من خلاله كل فرد نقص الآخر، ويسد كل فرد أية ثغرة بدرت عن أي عضو في الفريق للوصول الى هدف عام كبير ينعكس خيره وأثره على الجميع .
لقد حثنا هذا الدين العظيم على التحلي بصفات الفاعلية على أنواعها ، لكي لا نتراجع ولا نستكين ولا نتوقف عن الحركة المعمرة للكون ، أيا كان نوع هذه الحركة ، فرخص لنا الاجتهاد وأعطانا حرية اتخاذ القرار بشأن أي نشاط نعتقد أنه يحمل الخير لهذا العالم . وكفل لنا أن يمنحنا أجرا إن أخطأنا وأجرين إن أصبنا ، فالمجتهد في أي من الأمور لا يخسر أبدا ، وان هو لم يتمكن من تحقيق أهدافه تجاه الآخرين ، فقد تمكن من تحقيق هدف ذاتي واكتسب الأجر العظيم من الله على اجتهاده وجهده وعطائه ونيته ، وعلى الأثر الذي تركه أثناء مسيرته .فان كان “عمرو خالد” ومن سواه من المصلحين ، لم يستطيعوا الإلمام بمتطلبات النهضة كاملة ، فانهم يسعون ويجتهدون مأجورين على ذلك ، ويكفيهم فخرا أنهم لم يكتفوا بأدوار المتفرجين .وإننا لنأمل أن يزيد الله ممن هم على شاكلتهم ، ونعدهم بأننا سنلتمس لهم كل الأعذار إن شاب عملهم نقصا أو ضعفا عن غير قصد . فذلك شأن الفعل الإنساني منذ انطلقت مسيرته.
كما نبشرهم بأن ما ينجزونه من أعمال جليلة بدأت تعطي ثمارها القريبة ، أما الثمار البعيدة فإننا ندرك مدى صعوبة تحققها ، ونسأل الله أن يعيننا على إنجازها بأقرب ما يمكن ..
وانني أحب أن ألفت عناية الأخ الفاضل كاتب المقال المعنون ” عمرو خالد وبرنامج صناع الحياة هل يصنعان نهضة؟” بكل أدب وتواضع إلى أن من كانت مقدمة مقاله قد عددت تلك الإنجازات الرائعة التي تم إنجازها في زمن قياسي من كونه: ” استطاع جمع مليون ونصف من أكياس الثياب لتوزع على الفقراء واستطاع أن يحارب بعض الآفات المنتشرة كالتدخين والشيشة والقات والمخدرات، وحصل على شهادة تقدير من منظمة الصحة العالمية ، واستفاد من تقنيات العصر وحقق تواصلا كبيرا مع جمهور المسلمين من خلال التلفزيون والإنترنت!” لا يمكن أبدا أن يصل إلى خاتمة لنفس المقال تقول : “نستطيع أن نقرر أنه لم يعالج الموضوع معالجة سديدة ومفيدة.” مهما كان حجم ونوع النقد الموجه!
كلمات إلى” عمرو خالد” والى كل المصلحين الأفاضل في هذه الأمة:
إن ما تعملون عليه من محاولات تغيير الأفكار، واعادة النفوس إلى تراثها وثقافتها العريقة بمفاهيم حيوية،وفاعلة هي واحدة من أهم أسباب التحولات التاريخية، لأن ما ينقصنا فعلا هو تفعيل ما بين أيدينا من العلم، واعادة فهمه بما يتماشى مع متطلبات روح العصر.
نأمل أن يواجه النقد بشكل من التحدي الذي يستدعي اجتهادا أعمق، وجهدا أكبر وأسلوبا أكثر تجددا، وأن لا يكون سبباً في التراجع والاستسلام أو الشعور السلبي بالإحباط.
إن إيمان الإنسان بإمكانية تحقيق أمر ما، ومدى عمق هذا الإيمان هو أحد أهم أسباب الوصول إلى الأهداف.
واننا واثقون بأن المجتمع يحتاجكم، ويتطلع الى عطائكم، واجتهاداتكم في كيفية انتشاله مما يعانيه. وخير ما أختم به هذا المقال كلمات رائعة تقول: بلغوا عني ولوكلمه فرب مبلغ خير من مبلغ.